إنه المتكلم أبو الحسن الأشعري البصري ثم البغدادي (ت324أو 333ه) ، أمضى فترة طويلة من حياته معتزليا ، ثم تاب عن الاعتزال و أعلن توبته أمام الملأ بالبصرة ، نحو سنة 300ه ، ثم دخل بغداد و أعلن انتسابه إلى الإمام أحمد و مذهب أهل السنة و الجماعة (1) .
و أما فكره الجديد في مسألة الصفات ، فإنه أثبت الصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم و السنة النبوية ،و وافق ابن كلاب في نفيه قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ،و أنكر تكلّمه تعالى بمشيئته (2) .و هما و إن انتسبا لمذهب أهل السنة ، فإنهما قد شذا عنه في مسألة الأفعال الاختيارية ، و كلام الله تعالى ، لتقصيرهما في السنة المحضة، و تأثرهما بالمعتزلة و الجهمية ، فالصفات الاختيارية مثلا ، أثبتها السلف كلها دون استثناء ، و نفاها الجهمية مطلقا ،و هما -أي ابن كلاب و الأشعري- وافقا السلف في إثباتها من جهة ،و وافقا الجهمية و المعتزلة في نفي قيامها بذات الله تعالى من جهة أخرى (3) .
و مع ذلك فإن فكره -أي الأشعري- تحرّك بفاعلية و جذب إليه كثيرا من الأتباع ، بفضل جهود أصحاب الأشعري الأوائل و تلامذتهم ، كأبي عبد الله محمد بن مجاهد ،و أبي جعفر نقاش الفضة ،و أبي الحسن الباهلي ، و بندار بن الحسين الشيرازي . و من تلامذتهم: القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403) ،و أبو بكر بن فورك (ت 406ه) ،و أبو القاسم الإسكاف الإسفراييني (ت 452ه) (4) .
(1) الذهبي: السيّر ، ج 15 ص: 89 .و ابن تيمية: مجموع الفتتاوى، ج 3 ص: 228 .و ناصر بن عبد الكريم العقل: مباحث في عقيدة أهل السنة، ط1 الرياض ، دار الوطن ، 1412ه، ص: 43 .
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 3 ص: 155، ج 6 ص: 53 .
(3) نفسه ، ج 3 ص: 155 ، ج6 ص: 53 .
(4) الذهبي: السيّر، ج 16 ص: 416، ج17 ص: 191، 651 ، ج 18 ص: 117 .و السبكي: المصدر السابق ، ج3 ص: 368-369 .