و أما الحنابلة و أهل الحديث ، فهم أيضا ذموا الأشاعرة بمختلف ألفاظ الذم و التشنيع و القدح ، في إطار النزاع العقيدي القائم بينهم ، فمن ذلك أولا ، إنهم اتهموهم بالتمويه على الناس ، و إخفاء عنهم مقالتهم في صفات الله و كلامه ، فذكر أبو نصر السجزي (ت 444ه) ، إن الأشاعرة يستخدمون التمويه و المصانعة ، و لا يُظهرون حقيقة مذهبهم للناس ، الذي ينتهي إلى دعوتهم إلى مخالفة السنة ،و ترك الحديث ؛ ثم قال إنه إذا خاطبهم من له هيبة و حشمة من أهل الأثر ، قالوا له: (( الاعتقاد ما تقولونه ، و إنما نتعلّم الكلام لمناظرة الخصوم ) )، ثم قال أيضا: (( و الذي يقولونه كذب ، و إنما يتسترون بهذا ، لئلا يُشنع عليهم أصحاب الحديث ) ) (1) .
ثم ذكر السجزي إنه كان بمكة رجل كثير الاشتغال بالحديث ، و يُعلن إنه ليس أشعريا ، لكنه يمدحهم ،و يقول: رأيت منهم فاضلا ، التراب من تحت رجله أفضل من أناس . و إذا قدم منهم رجل إلى البلد قصده ليقضي له حاجته ، لكن إذا دخل عليه رجل من أصحاب الحديث ، جانبه و حذّر منه ، و إذا ذُكر عنده شيخ من شيوخ وقع فيه ، و قال: (( أحمد نبيل ، لكنه بُلي بمن يكذب عليه ) )، ثم عقّب السجزي على كلامه بقوله: و هذا مكر منه ، لا يحيق إلا بأهله ،و قول جاهل رقيق الدين و قليل الحياء (2) .
و قال أيضا إن بعض الأشاعرة يتظاهر إنه ليس أشعريا ،و يرد عليهم و يُظهر مخالفته لهم ، فيُتابع في ذلك ظنا إنه مخالف لهم-أي للأشاعرة- ، و كثيرا ما انطلى مثل هذا السلوك على أهل السنة على حد قول السجزي (3) ؛ و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث .
(1) السجزي: المصدر السابق، ج 57 . و ابن تيمة: درء التعارض ، ج 2 ص: 91 .
(2) السجزي: نفس المصدر، ص: 60 .
(3) نفسه ، ص: 60 .