و أخيرا -أي تاسعا- هناك أوصاف أخرى أطلقها بعض الأشاعرة على الحنابلة و أهل الحدث ، هي من صميم مبحثنا هذا ، منها إن القاضي أبا المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي الأشعري (ت494ه) ، كان قاضيا على حي باب الأزج ببغداد ، الذي غالبية سكانه حنابلة ، فكان بينه و بينهم خصام و مهاترات ، فيُروى إنه في أحد الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه ، فقال القاضي: (( يدخل باب الأزج ،و يأخذ بيد من شاء ) ). و قال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة: (( لو حلف إنسان إنه لا يرى إنسانا ، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث ، فقال له صاحبه: من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم ) )، لذا فإنه -أي القاضي- عندما مات فرح الحنابلة بموته كثيرا (1) . ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة ، و في الثاني نفى عنهم صفة الأدمية ، و ألحقهم بالحيوانات ضمنيا ، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم ، بحكم إنه معاشر لهم .
و منها أيضا إن النجم الخبوشاني (ت 587ه) ، لما نبش قبر ابن الكيزاني الذي كان بجانب ضريح الشافعي ، وصفه بالزندقة ، و قال: (( لا يكون صدّيق و زنديق في موضع واحد ) ) (2) . اتهمه بذلك لمجرد إنه كان على مذهب أهل الحديث ،و لم يكن مثله أشعريأ ، و لم يشفع له عنده مذهبه الشافعي في الفروع .
و اتهم بعضهم الحافظ عبد الله بن عطاء الإبراهيمي الهروي الحنبلي (ت 476ه) بالكذب و وضع الأحاديث ، و قالوا إنه كان يجتمع بالحنابلة و أهل الحديث ،و يروي لهم أحاديث مكذوبة تتعلق بالصفات هي من وضعه ، لكن الذين يعرفون أحواله من ثقات المحدثين عدّلوه ، فوثّقه المؤتمن الساجي ،و قال عنه خميس الجوزي: (( ما علمتُ فيه ذلك ، و كان يعرفه ) ) (3) .
(1) ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 160 .
(2) السبكي: طبقات الشافعية ، ج 7 ص: 15 .
(3) ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 58 . و ابن حجر: لسان الميزان ، ج3 ص: 316 .