الصفحة 44 من 242

و منها أيضا ما ذكرناه سابقا من إن القاضي ابن العربي قال إنه لما كان ببغداد أخبره بعض شيوخه بأن أبا يعلى الفراء كان يقول: إذا ذُكر الله ، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته ، فألزموني ما شئتم ، فإني ألتزمه ، إلا اللحية و العورة (1) . و روايته هذه غير صحيحة للمعطيات الآتية ، أولها إن قوله هذا لم أعثر عليه في المصادر الحنبلية من إنه -أي أبو يعلى- قال ذلك ، و إنما رواه ابن العربي عن مجهول هو من خُصوم القاضي أبي يعلى ، و خبر هذا حاله لا يُقبل في أمر خطير كهذا .

و ثانيها إن ذلك القول القبيح من المستبعد جدا أن يقوله القاضي أبو يعلى ، و هو عالم فقيه زاهد ، متبحر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، و لأنه أيضا كان على منهاج السلف في الصفات لا يُثبت صفة إلا إذا وردت في الشرع ، و لا شك إن ذلك القول المذموم لا يوجد في الشرع ما يُؤيده ، و إنما هو منسوب للمجسم الضال داود الجويباري ، الذي كان يقول: (( اعفوني عن الفرج و اللحية ، و اسألوني عما وراء ذلك ) ) (2) .

و ثالثها إن الحنابلة قالوا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد الكذب عليهم ، نكاية فيهم و انتصارا لمذهبه ، فقالوا إن أعيان الأشاعرة عندما أرسلوا كتابهم إلى نظام الملك ، كذبوا عليهم فيه ، و ذكروا له عنهم أشياء زورا و بهتانا (3) . و ذكر المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة في نزاعهم مع أصحاب الحديث كانوا يكذبون عليهم (4) .

(1) العواصم ، ج2 ص: 283 .

(2) الشهرستاني: الملل و النحل ، حققه علي مهنا، بيروت ، دار المعرفة ، 1998، ج 1 ص: 1057 . و أبو المظفر الاسفراييني: التبصير في الدين ، ط1 ، بيروت ، دار عالم الكتب ، 1983، ص: 120 .

(3) ابن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .

(4) ابن عقيل: الرد على الأشاعرة ، ص: 91 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت