و مما قاله أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات ، ما نقله عنه الحافظ الذهبي من إنه قال فيه: (( لا يجوز رد هذه الأخبار-أي الأحاديث- ،و لا التشاغل بتأويلها ،و الواجب حملها على ظاهرها ، و إنها صفات الله تعالى ، لا تُشبه سائر صفات الموصوفين بها من الخلق ) ) (1) .
و يرى الشيخ تقي الدين بن تيمية إن الذين تكلموا في القاضي أبي يعلى الفراء شنّعوا عليه بأشياء هو منها بريء ،و ما ذكره أبو بكر بن العربي عنه ، هو كذب عليه ، رواه عن مجهول لم يُسمه ، لكن مع ذلك فإن في كلام القاضي أبي يعلى ، ما هو مردود نقلا و عقلا ، و فيه من التناقض من جنس ما يُوجد في كلام الأشعري و الباقلاني و أمثالهما ، ممن يُوافق النفاة على نفيهم ،و يُشارك أهل الإثبات على وجه مما قالوه . كما إنه أورد في كتابه إبطال التأويلات أحاديث موضوعة ، كحديث رؤية الله عايا ليلة المعراج ،و حديث إقعاد الرسول -عليه الصلاة و السلام- يوم القيامة على العرش (2) .
تلك الأحاديث الموضوعة و الصريحة في التشبيه و التجسيم ، هي التي كانت سببا في اتهام أبي يعلى بالتشبيه و التجسيم ، و إن كان هو في الحقيقة لا يعتقد التشبيه و لا التجسيم ، لأن آثاره شاهدة على ذلك (3) ؛ لكن الخلل دخله من روايته للأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، الصريحة في التشبيه و التجسيم ، فحملها على ظاهرها من دون تأويل و لا تشبيه ، و قد رواها لأنه كان قليل الخبرة بعلم الحديث ،و بضاعته فيه مُزجاة ، لا يُميز بين صحيح الأحاديث من سقيمها ، فروى أحاديث غير صحيحة متعلقة بالصفات ، جعلت العلماء يُنكرون عليه ذلك ، و يتهمونه بالتشبيه كان الأشاعرة في مقدمتهم .
(1) الذهبي: ط1 ، الرياض، مكتبة أضواء السلف ، 1995 ، للعلي الغفار ، ص: 251 .
(2) ابن تيمية: درء التعارض ، ج 5 ص: 237 ، 238 .
(3) أنظر مثلا ، ما كتبه عنه ابنه في طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 208 .