الصفحة 36 من 242

و في سنة 580ه وقعت بين الحنابلة و الأشاعرة خصومة ، عندما أنكر الحنابلة على الشهاب الطوسي تكلّمه في مسألة من مسائل العقيدة -لم تُحدد- في مجلس وعظه ، فحدث خصام بينهما و أطلق كل منهما لسانه في الآخر ، ثم ترافعوا إلى السلطان الأيوبي-لم أُميزه- بمصر ، فأمر برفع كراسي الوعظ عند الطرفين (1) .

و هؤلاء الوعاظ الذين ذكرناهم ، هم مجرد عينة فقط ، و إلا فإن عدد الوعاظ كان كبيرا (2) ، ساهموا كلهم في نشر أفكارهم و إثارة الفتن الطائفية بين جناحي أهل السنة المتنازعين ، فكان ذلك مظهرا من مظاهر الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين . و كان لهم أيضا دور كبير في تعميق الأزمة و توسيعها و نقلها إلى عامة الناس ، ليخوضوا فيها و يكتووا بنارها ، و كأن الأمر مخطط له سلفا على أيدي هؤلاء الوعاظ ، في حين إن المطلوب منهم شرعا و عقلا ، أن يسعوا جاهدين لتطويق الأزمة ، و التخفيف منها و إبعادها عن الجماهير ، تمهيدا لحلها كلية ، لكن ذلك لم يحدث ،و بقيت الأزمة تنخر بسلبياتها في المجتمع الإسلامي ، بمختلف مظاهرها المتعددة .

ثالثا: تبادل الذم و الاتهامات و التشنيعات:

تبادل أهل الحديث و الأشاعرة الذم و الاتهامات و التشنيعات ، تعبيرا عن النزاع العقيدي الحاد القائم بينهما -خلال القرنين:5-6 الهجريين- و قد قدح كل منهما في الآخر بألفاظ شنيعة لا يجوز لمسلم أن يصف بها أخاه المسلم.

(1) نفسه ، ج 21 ص: 395 .و الصفدي: المصدر السابق ، ج5 ص: 5 ص: 9 .و المقريزي: كتاب السلوك ،لمعرفة دول الملوك ، ط1 ، بيروت ، دار صادر، 1999 ، ج 1 ق: 1 ص: 88 .

(2) انظر مثلا: ابن كثير: البداية و النهاية ، ج 12 ص: 191، ج13 ص: 9 .و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 219 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت