و ثالثا إن الأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، أقتصر على ذكر طائفة منها تخص جماعة من الوعاظ المذهبيين ، الذين ينطبق عليهم ما قلناه آنفا ، أولهم أحمد بن محمد سبط بن فورك (ت قرن: 5ه) ، وعظ بالمدرسة النظامية ،و كان أشعريا داعية لمذهبه ، تسبب في حدوث فتن بين الحنابلة و الأشاعرة (1) .
و ثانيهم المتكلم عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي ، دخل بغداد سنة 495ه وعظ بها و أظهر الأشعرية ، فمن ذلك إنه وعظ ذات يوم بجامع المنصور و أظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين ،و اعترض عليه الحنابلة ، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد (2) . و لا ندري ما حدث بعد ذلك بين الفريقين ، لأن ابن الجوزي روى الخبر موجزا . و من ذلك أيضا إن هذا الرجل-أي الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته ، فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك ، فهب أصحابه لنجدته و التفوا حوله (3) .
و ثالثهم الفقيه أبو الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي الحنفي (ت 548ه) ، شيخ الحنفية ببلده ، قدم دمشق سنة 510ه ، و عقد بها مجلس وعظ و تذكير ، و أظهر فيه خلافه للحنابلة و تكلم فيهم ، فتصدوا له و تعصبوا عليه ، فترك دمشق و توجه إلى مكة المكرمة (4) . و رابعهم المدرس أبو علي محمد النصرواني الأصبهاني الأشعري المعروف بابن الفتى (ت 525ه) ، درّس بنظامية بغداد ، و وعظ بجامع القصر ، فكان يُظهر مذهب الأشعري و ينتصر له ، و يميل على الحنابلة و أهل الحديث ، و يطعن فيهم (5) .
(1) ابن حجر: لسان الميزان ، ج 1 ص: 304 .
(2) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 9 ص: 131 .
(3) نفسه ، ج 9 ص: 131 .
(4) ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 41 ص: 339 .و اليافعي المكي: مرآة الجنان ، بيروت، منشورات الأعلمي، 1970 ، ج 3 ص: 388 .
(5) الذهبي: السيّر ، ج 19 ص: 612 . و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 22 .