و ختاما لهذا المبحث يتبين لنا منه إن الاحتجاجات و المصادمات و الفتن التي ذكرناها ، كانت أسبابها عقدية مذهبية ، بسبب الخلاف العقيدي بين أهل الحديث و الأشاعرة ، و هي تُعبر بوضوح عن الأزمة العقيدية الحادة التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين ؛ و لم تبق في إطارها الفكري الصرف ، و إنما تحوّلت إلى واقع عملي تجلّت مظاهره في الاحتجاجات و المصادمات في شكل جماعي منظم ، فهي لم تكن حالات فردية شاذة معزولة ، بل كانت منظمة و موجهة ذات أهداف مذهبية مسطرة سلفا ، و سيزيد ذلك تأكيدا و إثراء و ترسيخا ما سنذكره في المباحث الآتية إن شاء الله تعال .
ثانيا: استخدام الوعظ لنشر المذهب و الرد على الخصوم:
يُعد الوعظ من أهم المظاهر الاجتماعية التي تجلّت فيها الأزمة العقيدية -التي عصفت بالسنيين- فقد استخدمه دعاة المذاهب وسيلة لنشر أفكارهم و الرد على خصومهم ، و وجدوا فيه ميدانا واسعا و خصبا للاتصال بالجماهير و التغلغل فيهم ، و التمكين لمعتقداتهم من خلاله ، فمن ذلك أولا إن سوق الوعظ في القرنين الخامس و السادس الهجريين كان رائجا ، مارسه كثير من أهل العلم من المشهورين و المغمورين ، و كانت عوام الناس تُقبل عليهم بأعداد كبيرة جدا (1) .
و ثانيا إن كثيرا من الوعاظ كانوا علماء ، من متكلمين ، و فقهاء ،و محدثين و أدباء ، لهم خلفيات مذهبية ينطلقون منها في مجالسهم الوعظية خدمة لأفكارهم المذهبية ، لذا وجدناهم ينشرونها بين العوام علانية ، و يُهيجونهم و يدفعونهم إلى التعصب و المواجهات ، فكان ذلك تعبيرا عمليا عن الأزمة العقيدية التي ألمت بالمذهب السني و بأهله في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
(1) سيأتي ذكر نماذج كثيرة من هؤلاء الوعاظ في هذا الفصل بحول الله تعالى .