مثّل أهل السنة و الجماعة جمهور المسلمين منذ أن عُرفوا بذلك الاسم ، على إثر انفصال الخوارج و الشيعة عن جماعة المسلمين ،في أثناء الفتنة الكبرى (35-40ه) ،و ما بعدها ، ثم انفصلت عنهم جماعات أخرى في القرن الثاني الهجري و ما بعده ، كان من بينها المعتزلة ،و الجهمية ، و الكرّامية ، لكن أهل السنة- مع ذلك- ظلوا ظاهرين يمثلون جمهور الأمة الإسلامية ، مقابل هؤلاء الذين انفصلوا عنهم ، كالخوارج الشيعة و المعتزلة و المجسمة (1) .
و أما أصولهم المذهبية -أي أصول أهل السنة- فهي معروفة و متواترة ، لا تحتاج إلى توثيق (2) ، منها: الاعتماد على الكتاب و السنة الصحيحة ، كمصدرين معصومين وحيدين ، و منها تقديم الشرع على العقل ، و الاعتقاد بأن الإيمان هو اعتقاد بالجنان ،و قول باللسان ،و عمل بالجوارح يزيد و ينقص .
و منها أيضا: موالاة كل الصحابة ،و إنهم عدول غير معصومين من الخطأ ، أفضلهم -بعد رسول الله عليه الصلاة و السلام- الخلفاء الأربعة بالترتيب: أبو بكر الصديق ، و عمر بن الخطاب ،و عثمان بن عفان ، و علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم .
و منها: إثبات كل الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه ،و أو صفه بها رسوله -عليه الصلاة و السلام- في الأحاديث الثابتة عنه ، بلا تشبيه و لا تمثيل ،و لا تأويل ،و لا تعطيل ،و لا تكييف ، و إنما هو إثبات و تنزيه . و هذا الأصل -أي الأخير- هو الذي نركّز عليه في مبحثنا هذا ، لأن دراستنا القادمة-بحول الله تعالى- تقوم عليه أساسا .
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء ، ط 9 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1413 ه، ج11، ص: 236 .
(2) لكن انظر مثلا: أبو العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية . حققه نخبة من العلماء، ط9 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، و حسن خان القنوجي: قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر . ، ط2 ، الجزائر ، دار الإمام مالك ، 1414 ه .