قدم المتكلم الواعظ أبو بكر البكري المغربي الأشعري إلى بغداد سنة 476ه ، و معه كتاب من الوزير نظام الملك للتدريس و التكلّم بمذهب الأشعري ، فاستقبله ديوان الخلافة استقبالا حارا ، و هيأ له كل ما يحتاجه ، و أثناء وجوده ببغداد درّس بالنظامية ،و في كل الأماكن التي أرادها ، فكان ينصر الأشعرية و يذم الحنبلية و يستخف بهم ، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام و مواجهات ، من ذلك إنه مرّ ذات يوم بحي نهر القلائين ، فاعترضت جماعة حنبلية من آل الفراء ، بعض أصحاب البكري ، فحدث بينهم عراك و سباب و خصام ، مما جعل البكري ، يستنجد بالوزير العباسي العميد بن جهير ، فأرسل هذا الأخير من حاصر بيوت بني الفراء ، فنهبوها و أخذوا منها كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى الفراء ، و جعله الوزير بين يديه يقرأه على كل من يدخل عليه ، و يقول: (( أيجوز لمن يكتب هذا أن يُحمى أو يُؤوى في بلد ! ) ) (1) .
الحادثة السابعة: فتنة الواعظ أبي الفتوح الإسفراييني ببغداد:
دخل المتكلم الواعظ أبو الفتوح محمد الإسفراييني الأشعري (ت 538ه) بغداد سنة 515 ، و مكث بها مدة طويلة ، فحدثت بسببه فتن كثيرة كبيرة ، بينه و بين الحنابلة ، لأنه جعل شعاره إظهار مذهب الأشعري و ذم الحنابلة و التهجم عليهم ، و في أحد الأيام مرّ بأحد شوارع بغداد مع جم غفير من أصحابه ، و فيهم من يصيح و يقول: (( لا بحرف و لا بصوت ، بل عبارة ) )، فرجمه العوام ، ثم تراجموا فيما بينهم و حدثت مصادمات عنيفة أدت إلى حدوث فتنة كبيرة لم تصلنا تفاصيلها (2) .
(1) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 9 ص: 3-4 . و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد ،بروت ، دار الكتاب العربي، د ت ، ج 2 ص: 185 .
(2) الذهبي: العبر في خبر من خبر ، ط2، الكويت ، مطبعة حكومة الكويت ، 1948ه ، ج 4 ص: 105 . و السبكي: المصدر السابق ، ج 6 ص: 172 .