الصفحة 26 من 242

و الشاهد الرابع هو إن ما حدث بين الطرفين في فتنة ابن القشيري من سباب ،و اتهامات ،و خُصومات ،و اقتتال ، و تشنيعات و تحريضات من الأشاعرة للوزير نظام الملك لقمع الحنبلية و قطع دابرها ، هو دليل قاطع على إن القوم ما كانوا متفقين متحابين متعاونين ، و إنما كان كل طرف يتربص بالآخر الدوائر ، يتحيّن الفرص للانقضاض عليه ، و هو الأمر الذي حدث بالفعل في فتنة ابن القشيري ، فكان ذلك تعبيرا عمليا ، و دليلا صارخا على الأزمة العقيدية التي كان يُعاني منها المذهب السني في القرن الخامس الهجري .

الحادثة الخامسة: تجدد الفتنة بين الحنابلة و الأشاعرة ببغداد سنة 470 ه:

بعد أيام من ورود رد نظام الملك على رسالة الأشاعرة الذي خيّب آمالهم فيه ، نشبت فتنة بين الحنابلة و فقهاء المدرسة النظامية ببغداد ، لأن فقيها أشعريا كفّر الحنابلة ، فتصّدوا له و رموه بالآجر ، فهرب و لجأ إلى أحد أسواق بغداد و استغاث بأهله ، فأغاثوه و اندلع قتال بين الطرفين ، و عم النهب و كثُرت الجراح ، و لم تتوقف المواجهات إلا بتدخل الجند ، و قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الطرفين ، و جُرح آخرون ، ثم نُقل المقتولون إلى دار الخلافة ، فرآهم القضاة و الشهود ، و كتبوا محضرا ضمّنوه ما جرى ،و أرسلوه إلي الوزير نظام الملك بخراسان ، و هدأت الأوضاع ببغداد (1) .

و هذه الفتنة هي امتداد لفتنة ابن القشيري ، و قد قُتل فيهما نحو أربعين شخصا من الطرفين ، و قد أظهرتا ما يكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية ، بسبب النزاع المذهبي الذي أدخل السنيين في أزمة عقدية مذهبية ، تجلّت مظاهرها في التكفير و الاقتتال ،و السب الشتائم ، دون أن تظهر محاولات جادة لوضع حد نهائي لها ، مما زاد في اتساع نطاقها و اشتداد حدتها .

الحادثة السادسة: فتنة أبي بكر البكري المغربي ببغداد سنة 476ه:

(1) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 312-313 زو ابن كثير: البداية و النهاية ، ج 12 ص: 117 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت