و ذكر الحافظ ابن عساكر (ت 575ه) إن كلمة الحنابلة و الأشاعرة كانت مجتمعة ، ثم تفرّقت في فتنة ابن القشيري ، و وزارة نظام الملك ، و قد وافقه على ذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية (ت728ه) (1) . و لا شك إن فتنة ابن القشيري هي أخطر ما حدث بين الحنابلة و الأشاعرة في القرن الخامس الهجري ، و التي أذهبت أمل الوفاق بين جناحي أهل السنة المتنازعين ، لكن مظاهر العداء و الخصومة و الفرقة تعود إلى ما قبل فتنة ابن القشيري ( سنة 469ه ) بعدة عقود ، بدليل الشواهد التاريخية الآتية ، أولها إن النزاع بين الطرفين يعود إلى القرن الرابع الهجري ، عندما خاصمت طائفة من الحنابلة الأشاعرة الأوائل ، و حاولت قتل إمامهم أبي الحسن الأشعري (2) .
و ثانيها إنه سبق أن ذكرنا ما حدث بين الحنابلة و الأشاعرة من خُصومات و مصادمات قبل فتنة ابن القشيري ، كاحتجاج الأشاعرة على كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى ، و ما حدث بينهما في فتنتي 447ه، و 461ه .
و ثالثها إن القاضي أبا الحسين بن أبي يعلى الفراء (ت 526ه) ذكر صراحة إن الأشاعرة لم يكن في مقدورهم إظهار مذهبهم علانية أمام الناس ، لما كان يلحقهم من قمع أهل السنة لهم على حد تعبيره (3) ، و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث ، فالقمع إذن هو الذي منع الأشاعرة من إظهار مذهبهم ، مما يدل على إن كلمتهم لم تكن مجتمعة و لا متوافقة .
(1) انظر: تبيين كذب المفتري، ص: 163.و مجموع الفتاوى ،جمعه ابن القاسم، ط1 الرياض، 1381 ، ج3 ص: 229 , و ج5 ص: 340 ، و ج 6 ص: 52-53 .
(2) راجع التمهيد .
(3) ابن أبي يعلى: المصدر السابق ، ج2 ص: 239 .