فلما حدث ذلك أجمع علماء الأشاعرة على الخروج من بغداد ، في مقدمتهم شيخهم أبو إسحاق الشيرازي ، إلى بلاد خُراسان حيث الوزير السلجوقي نظام الملك ، فلما سمع بهم الخليفة المقتدي بأمر الله (467-487ه) أسرع إلى طلبهم لُيصلح بينهم و بين شيخ الحنابلة أبي جعفر ، فلما اجتمعوا فشلت محاولة الإصلاح و انفض الاجتماع دون اتفاق ، و كتب علماء الأشاعرة رسالة إلى نظام الملك أخبروه فيها ما حلّ بهم على يد الحنابلة ببغداد ، و وصفوهم له بأبشع الألفاظ القبيحة ،و اتهموهم بأشنع الاتهامات ، و حرّضوه على قطع دابرهم ،و أنه لا يجوز السكوت عنهم (1) ، لكن رده عليهم لم يُحقق لهم ما كانوا يرجونه منه (2) ؛ و سنتناوله بشيء من التفصيل في موضع آخر من الفصل الثاني إن شاء الله تعالى .
و تُعد فتنة ابن القشيري أخطر ما حدث بين الحنابلة و الأشاعرة من مواجهات دامية إلى سنة 469 ، جراء الأزمة العقيدية التي كان يُعاني منها المذهب السني ، فقد كان سببها -أي الفتنة- المباشر إظهار ابن القشيري لمقالة الأشعرية و ذمه للحنابلة و وصفهم بالتجسيم ، إذ لم يكن الحنابلة و أهل الحديث يُمكّنون الأشاعرة من إظهار مذهبهم علانية و على رؤوس الأشهاد قبل سنة 469ه (3) .
(1) سنتوسع في ذلك في مبحث خاص من الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
(2) ابن أبي يعلى: المصدر السابق ، ج 2 ص: 239 .و ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 310 ، و ما بعدها . و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 312 .
(3) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .