ثم تجدد النزاع في سنة 432ه ، و جرت بينهما مناقشات حول ما جاء في كتاب أبي يعلى ، و كثر حوله الكلام ، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله (422-467ه) ، و طلب الكتاب ليطّلع عليه ، فقرأه و رده لمؤلفه ، و أمر بعقد اجتماع للنظر فيما حدث بين المتنازعين من خصام ، فاجتمع الفقهاء و درسوا المسألة و ناقشوها ، و انتهوا إلى تأييد القاضي أبي يعلى الفراء ، و كتبوا في ذلك محضرا نصروه فيه ، كان في مقدمتهم الزاهد أبو الحسن القزويني (ت 442ه) ، كتب فيه: (( هذا قول أهل السنة ، و هو اعتقادي،و عليه اعتمادي ) )، ثم أخرج الخليفة الاعتقاد القادري (1) الذي كتبه والده القادر بالله ، تأييدا و موافقة لمذهب أبي يعلى الفراء (2) .
و يُعد هذا الاحتجاج أول محاولة جماعية علنية معروفة ، قام بها الأشاعرة ، انتصارا لمعتقدهم ،و وقوفا في وجه الحنابلة و أهل الحديث ، الذين وجدوا الدعم المطلق من الخليفة العباسي القائم بأمر الله .
لكن هذه التسوية لم يرض بها الأشاعرة-رغم تظاهرهم بها- ، فأظهروا احتجاجهم مرة أخرى على نفس الكتاب سنة 445ه ، فتدخل الخليفة القائم مرة أخرى و عقد اجتماعا للمتنازعين بدار الخلافة ، حضره القضاة و الأعيان ،و تم الصلح بين الطرفين المتنازعين ، و أُعلن إن القرآن كلام الله تعالى ، و إن الصفات تُمر كما جاءت ، و خرج القاضي أبو يعلى مرة أخرى منتصرا (3) .
(1) سنتكلم عنه في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
(2) أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 197، 198 .
(3) نفسه ، ج 2 ص: 198 .