ذكرنا في التمهيد أن الأشاعرة في القرن الرابع الهجري، كثيرا ما اخفوا أفكارهم التي أنكرها عليهم طائفة من الحنابلة و أهل الحديث و ضايقوهم بسببها ، لكن حالهم هذا تغيّر في القرن الخامس الهجري و ما بعده ، حين جهروا بمذهبهم علانية ، و أعلنوا صراحة معارضتهم لأفكار روّجها بعض أهل الحديث ، أذكر منها تسع حوادث .
الحادثة الأولى: احتجاج الأشاعرة على كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى:
كان المتكلم أبو بكر بن فورك الأصبهاني الأشعري (ت406ه) ، قد صنف كتابا في تأويل (1) صفات الله تعالى ، سيرا على نهج المؤوّلين للصفات و المعطلين لها ، فجاء القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي البغدادي (ت 458ه) ، و ردّ عليه في كتاب سماه: إبطال التأويلات لأخبار الصفات ، أثبت فيه الصفات التي أوّلها ابن فورك ، و زاد عليها كثيرا ، فاتهمه الأشاعرة بتجسيم الله تعالى و تشبيهه بمخلوقاته ، و كان ذلك سنة 429ه (2) .
(1) للتأويل عدة معان ، منها: البيان و التفسير ، لكن للمتكلمين معنى آخر للتأويل فيما يخص مسألة الصفات ، و هو الذي نقصده في بحثنا هذا ، و معناه صرف المعنى الظاهري للفظ ، إلى معنى آخر مرجوح ، و سنفصل هذا الأمر في الفصل الثاني ، إن شاء الله تعالى .
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ، بيروت ، دار صادر، 1965ج 8 ص: 16، 104 ، 228 .و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 54 .