و أما ما قاله الحافظ ابن عساكر ، من إن أبا بكر الباقلاني كان يُظهر مذهبه علانية بكل حرية ببغداد ، و عنه انتشر مذهب الأشعري بالمشرق و المغرب ، دون معارضة من خاصة الناس و لا عامتهم ، فهو قول مبالغ فيه جدا ، و ليس صحيحا على إطلاقه ، و ذلك أن الباقلاني كان له نشاط علني في نصرة أهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث ببغداد ، زمن دولة بني بويه ( 334-447ه ) (1) . لكنه عندما كان يظهر مقالة الأشعري المخالفة لمذهب أهل السنة ، في مسألة الأفعال الاختيارية و كلام الله تعالى ، كان يجد معارضة شديدة من السنيين ، و قد سبق أن أثبتنا ذلك بشواهد تاريخية كثيرة ، تعرّض فيها الباقلاني للتشهير و المطاردة ، حتى إن الخليفة القادر بالله همّ به ليُعاقبه ، لو لا اختفاؤه و تستره بمذهب أحمد بن حنبل . فهذا كله يُؤكد ما قلناه من أن قول ابن عساكر غير صحيح على إطلاقه ، و فيه تعميم خاطيء .
و ختاما لما ذكرناه يتبين لنا جليا أن أزمة المذهب السني تعود جذورها إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، عندما خالف ابن كلاب مذهب السلف ، في مسألة الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى ، ، فأنكر عليه أهل السنة مقالته و قاوموه ، لكن الأزمة استمرت و ازدادت عمقا و اتساعا عندما تبنّى الأشعري و أصحابه فكره ،و دعوا إليه بحماس ، فتصدى لهم أهل السنة و قاوموهم فيما خالفوا فيه مذهب السلف ؛ لكن مذهبهم -أي الأشعري-تمكّن من الصمود بفضل انتساب أصحابه لمذهب أحمد بن حنبل ، و احتمائهم بالبيت التميمي الحنبلي البغدادي .
(1) الذهبي: السيّر ، ج 17 ص: 558-559 .