و ثالثا إن شيخ الشافعية أبا حامد الإسفراييني، كان يُعلن أمام الناس صراحة ، إن مذهبه في القرآن الكريم ، هو كلام الله حقيقة بحروفه و معانيه ، و يُنكر على الأشاعرة مقالتهم في كلام الله ، و يتبرأ أمامهم مما يقوله أبو بكر الباقلاني و أصحابه في كلام الله تعالى؛ و كان يقول أيضا ، إن مذهب الأشعري في كلام الله ليس هو مذهب الشافعي ، و لشدته على الأشاعرة ميّز أصول فقه الشافعي ، عن أصول أبي الحسن الأشعري ، و لم يعدهم -أي الأشاعرة- من أصحاب الشافعي ، الذين استنكفوا من الانتماء إليهم و إلى مذهبهم في أصول الفقه ، فضلا عن أصول الدين (1) .
و رغم تلك المعارضة الشديدة ، فإن الأشعري و أصحابه الأوائل ، وجدوا ببغداد جماعة من أهل السنة احتموا بها ،و انتسبوا إليها ، و تستّروا بها ، و كانت بينهم و بينها المؤانسة و الموافقة ،و الصداقة و الضيافة ، فمن ذلك أولا ، إن الأشعري لما خاف على نفسه القتل ببغداد ، استجار ببيت أبي الحسن عبد العزيز التميمي الحنبلي (2) . و عندما رُفع أمر الباقلاني إلى الخليفة القادر بالله ، و كاد أن يبطش به ، تستر بمذهب أحمد بن حنبل ، و أظهر موافقته له (3) .
(1) ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ص: 58 .. و مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 558 .و درء التعارض ، ج 2 ص: 96 .
(2) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 6 ص: 332 .
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 16 . ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الجهمية و المعطلة ، ص: 137 . و ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول، حققه محمد محي الدين ، ط2 ، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية ، 1950 ج 2 ص: 10 .