في «المستدرك» من طريق موسى بن عقبة, عن ابن شهاب, عن سعيد بن المسيب, عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريده فاعترض رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير, أخو بني عبدالدار, ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فسقط أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فكسر ضلعًا من أضلاعه فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش, فذكر لهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بل أنا أقتل أبيًا) , ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي لمجاز لماتوا أجمعين. فمات أبي إلى النار فسحقًا لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة فأنزل الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} الآية. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في «تلخيصه» . وقد رواه البيهقي في «دلائل النبوة» بنحوه.
وقول سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى: أن الآية من سورة الأنفال نزلت في رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي بن خلف يوم أحد غريب جدًا. والصحيح أن الآية نزلت في رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوه الكافرين يوم بدر بالقبضة من التراب فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقد روى ابن جرير عن الزهري مثل قول سعيد بن المسيب في تفسير الآية من سورة الأنفال. قال ابن كثير: وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جدًا ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصة انتهى.
وقال ابن إسحاق: لما أسند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد لا نجوتُ إن نجوتَ, فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (دعوه) , فلما دنا منه تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحربة من الحارث بن الصمة. يقول بعض القوم, فيما ذكر لي. فلما أخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء [1] عن ظهر البعير إذا انتفض بها, ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ [2] منها عن فرسه مرارًا. قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف, كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف, يلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العَوْد فرسًا أعلفه كل يوم فَرَقًا من ذرة أقتلك عليه, فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بل أنا أقتلك إن شاء الله) , فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير فاحتقن الدم, قال: قتلني محمد, قالوا له: ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لي بمكة: (أنا أقتلك) فو الله لو بصق عليّ
(1) قال ابن الأثير وابن منظور: الشعراء ذبّان حمر, وقيل زرق تقع على الإبل وتؤذيها أذى شديدًا.
(2) قال ابن هشام: تدأدأ يقول: تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج. وفي «القاموس» : تدأدأ: تدحرج.