الله عزّ وجلّ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [1] , قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة: رأسي ورؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد, وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك. وقالت له أم كلثوم [2] بنت حرب بن أمية - وهي حمالة الحطب: طلّقها يا بني فإنه قد صَبَت فطلقها, وطلّق عتيبة أم كلثوم, وجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين فارق أم كلثوم فقال: كفرت بدينك وفارقت ابنتك, لا تحبني ولا أحبك, ثم تسلط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشق قميصه, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه) , فخرج نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام يقول له: الزرقاء, ليلًا فأطاف بهم الأسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول: يا ويل أمي هو والله آكلي كما دعا محمد عليَّ, قتلني ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام, فعدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فضغمه ضغمة فذبحه.
قال أبو عبدالله: فحدثنا بجميع ذلك محمد بن إسماعيل الحافظ قال: حدثنا الثقفي قال: حدثنا أحمد بن المقدام قال: حدثنا زهير بن العلاء العبدي, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة, قال زهير: وحدثنا هشام بن عروة, عن أبيه: أن الأسد لما طاف بهم تلك الليلة انصرف عنهم فناموا وجعل عتيبة في وسطهم فأقبل الأسد يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه. وقد روى أبو نعيم في «دلائل النبوة» قصة ابن أبي لهب من عدة طرق.
ومن قصص المؤذين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمناوئين له قصة أُبيّ بن خلف, وقد رويت قصته من طرق. منها: ما رواه ابن سعد في «الطبقات» عن سعيد بن المسيب: أن أبيّ بن خلف الجمحي أُسر يوم بدر فلما افتدي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فَرَقَ ذرة لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله) , فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (استأخروا استأخروا) , فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعًا من أضلاعه فرجع إلى أصحابه ثقيلًا فاحتملوه حتى ولَّوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس عليك, فقال لهم أُبيّ: ألم يقل لي: (بل أنا أقتلك إن شاء الله) , فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه. قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله تبارك وتعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [3] . وقد رواه الحاكم
(1) سورة المسد, الآية: 1.
(2) كذا في «دلائل النبوة» , والصواب: أم جميل.
(3) سورة الأنفال, الآية: 17.