فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 98

ثم يزداد غضبه على ولادة فيعلن أنه حصل منها كل ما يشتهي فهي قد كتبت إليه تستدعيه"فلما طوى النهار كافوره ونشر الليل عبيره أقبلت بقد كالقضيب وردن كالكثيب، وقد أطبقت نرجس المقل على ورد الخجل وبتنا نجني أقحوان الثغور نقطف رمان الصدور وكانت عتبة قد غنتنا:"

أحبتنا إني بلغت مؤملي ... وساعدني دهري وأوصلني حِبّي

وجاء يهنيني البشير بقربه ... فأعطيته نفسي وزدتُ له قلبي

فسألتها الإعادة في غير أمر ولادة فخبا منها برق التبسم وبدا عارض التجهم فكانت هذه أولى بوادر الشقاق والافتراق.

فمودتها السابقة لم تكن صافية بل امتزج بها شيء من الجفاء بل أن يده قد امتدت إليها وضربتها ذات يوم حيث يقول:

إن تكن نالتك بالضرب يدي ... وأصابتكِ بما لم أرد

فلقد كنت لعمري فاديًا ... لك بالمال وبعض الولد

وهكذا نخلص إلى القول بأن حياة ابن زيدون مع ولادة لم تك كلها صفاء فلما استعمل أسلوب التشهير والطعن في أخلاقها وشرفها كأنه تأكد لها سوء نية ابن زيدون تجاهها فكانت ترى في توسلاته بعد ذلك وكأنه برق خلّب فقط لذلك ابتعدت عنه فكانت مصرة على مقاطعته.

ووضع ابن زيدون في غياهب السجن ولكنه لم يفتر عن ذكرها كلما اشتد الكرب عليه وأخيرًا يسّر له أبو الوليد بن جهور الفرار ليلة عيد الأضحى فاختفى في مدينة الزهراء إحدى ضواحي قرطبة وبعث لولادة قصيدته النونية عليها تسمع فتفر معه إلى إشبيلية - ومطلعها:

أضحى التنائي بديلًا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا

ويقسم لها الأيمان على وفائه لها ليبرهن عن حسن نيته.

والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا ... عنكم ولا انصرفت عنكم أمانينا

ثم أخذ يبالغ بجمالها وحسبها فيقول:

ربيب ملك كأن الله أنشأه مِسكًا ... وقدّر إنشاء الورى طينا

ثم يلمح لها تراجعه عن خطئه من التشهير بها والتصريح وأنه لن يذكرها إلا تلميحًا:

لسنا نسميك إجلالًا وتكرمةً ... فقدرُك المعتلي عن ذاك يغنينا

إذا انفردت وماشوركتِ في صفةٍ ... فحسبنا الوصف إيضاحًا وتبيينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت