وجيرته. (( في سورة الرعد ) )لنري مدي تلاؤم اللفظة في الآية القرآنية من هذه السورة الكريمة، من حيث حسن الجوار والتلاحم في الحروف من جهة مخارجها، وأثر ذلك في نظم السورة، متبينين تلك الظاهرة في عدد من آياتها. قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} إلى قوله عز وجل: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} .
تخير ما شئت من ألفاظ تلك الآية، وتأمل طريقة نظمها من حيث تلاؤم الحروف، واستواء كل لفظة بجانب أختها. خذ مثلا قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} وبدا في تحليل الألفاظ الثلاثة الأولى: استواء على العرش، نعم إنه استواء مطلق يليق بجلال الله تعالى. ترسمه الآية هنا على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة الغيبية إلى مدارك البشر المحدودة، ثم راع قرب مخارج الحروف، واعتدالها في هذه الألفاظ. فالسين والتاء في لفظة (( استوى ) )من أول الفم ومن طرف اللسان، وبعدهما حرفا مد: هما الواو والألف المقصورة مما يغطي النفس إعانة في النطق. وراحة في الأداء، ثم لم التعبير بعلى دون فوق تلك التي تؤدي معنى العلو؟ ذلك لأن لفظة (( على ) )تعطي المعنى على أتم وجه يتناسب مع العلو المطلق التي رسمته لفظة (( استوى ) )، وأعجب من ذلك تقارب الحروف في قوله: (( على العرش ) )فالعين من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، وبعدها لام أخرى في لفظة (( استوى ) )لكان الناطق بالحرفين يؤدي حرفًا واحدًا لسهولة النطق. وقرب المخرج، لي نظم يساوي ذلك التعديل والتلاؤم؟
ثم أخلص إلى الألفاظ الثلاثة الأخر في قوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} فإلى جانب اللمسة الأولى في العلو المطلق تأتي اللمسة الثانية في جانب العلو المنظور، واللمستان تتجاوران وتتسقان في السياق [1] وبجانب هذا التجاور انظر الجمال ذكر الشمس بجانب القمر، وأروع منه وصف تلك الحروف فالكلمة الأولى تنتهي بحرف الراء كما في سخر. والكلمة الثالثة تنتهي بها أيضًا كما في لفظ القمر.
ولكن أذكر الشمس قبل ذلك القمر لأجل ذلك التآلف في الحروف فحسب بحيث تأتي الراء في الأولى وفي الثالثة متقابلتين؟ ليس ذلك لأجل هذا بل هناك حكم لا يعلمها سوى اللطيف الخبير. ولعل في تقديم ذكر الشمس على القمر التنويه بأنعام الله بها على سائر المخلوقات.
أما حروف الألفاظ الثلاثة فمعظمها من الحروف لها مس كالسين في سخر والشين والسين في (( الشمس ) )وهذه الألفاظ مجتمعة تؤدي معنى العظمة الكاملة، والقوة القادرة، وهذه الحروف في همسها وصغيرها كأنما تتبع أحداث هذين الكوكبين العظميين، وسريانهما في جوانب الكون الفسيح المترامي الأطراف وإذًا فهذا التلاؤم تلاؤم في الحرف واللفظ والمعنى.
(1) انظر ظلال القرآن لسيد قطب الجزء الخامس ص 70 طبعة بيروت.