إذا كان هذا بعض ما أدركناه عن تلاؤم الستة الألفاظ السابق ذكرها في آية واحدة، فكيف بالحال لو استعرضنا تراكيب السورة بأكملها وبجميع جزئيات هذا التراكيب؟ مثل ذلك لا يأتي لباحث إلا بعد جهد وتوفر طويلين، فلنأخذ بعض آيات أخر.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} الآية .. إلى قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } .
الآيات هنا جاءت لرسم خط عريض للجانب السفلي من الكون. وفي ذلك تلاؤم تام إذ أن ما سبق هذه الآيات سيق عن الجانب العلوي من مخلوقات الله تعالى.
وقد مر معنا في معرض الكلام على نظم تلك الآيات ما يكفي عن استعراض كثير من ألفاظها، وإذًا سنومئ إلى مظاهر التلاؤم بين الألفاظ هنا ما وسعنا الجهد إن أول ما يبدو من مظاهر التلاؤم بين ألفاظ تلك الآيات وحروفها ذلك الهدوء الذي يتطلبه الأمر بالتأمل والتفكير في ملكوت الكون فلاحظ مثلا خفة التعبير بلفظة (( جعل ) )مكررة في موضعين، ولاحظ التعبير (( يفكرون ) )إذ جيء به فيما يستوجب التفكير، والتعبير (( بيعقلون ) )فيما يستوجب التعقل، وانظر لتمام التلاؤم بين لفظي (( جنات من أعناب ) )فلم التعبير بقوله: (( من أعناب ) )دون من نخيل أو زيتون أو رمان؟ إن في ذكر الأعناب ما يدعو إلى التأمل. وتمام التلاؤم واضح. فإن الجنة في اشتقاقها مأخوذة من جن أي ستر وغطي ومنه الجنين في الرحم لستره عن الأنظار ومنه جن الليل أي ستر ....
وشجرة العنب في شكلها ليست فارعة كغيرها من أنواع الأشجار الأخرى وإنما هي مرسلة تغطي ما تحتها وتستره. فتلاءم أعناب بجانب لفظ جنات معنى. بل ولفظا فهما جمعان.
وراع التعبير: بلفظتي (( يسقى بماء ) )فقد جاءتا بعد تعداد أصناف من الثمار والزروع، فلو أن متحدثًا أطال النفس عن ذكر هذه الأصناف كما طال ذكرها وتعدادها في الآية، لذكر بعد كل صنف أو صنفين ذكر السقي بحكم قصوره البياني، ثم ماحياة تلك الأصناف، وما قيمتها بغير السقي بالماء هنا يبدو سر التلاؤم في نسق الآيات جميعها طالت أو قصرت وإذا كانت هذه لمحات عن التلاؤم في الألفاظ فكيف بأسرار التلاؤم في التراكيب إذ طلبه عسير على كل متحدث، لكنه في القرآن الكريم غير شاق ولا عسير، لصدوره عن من هو أعلم، وأحكم.