النظام بحيث جاورت كل لفظة أختها وجعلت من جنسها في الغرابة أو الاستعمال رغبة في ائتلاف المعاني بين الألفاظ وتناسبها وتعادلها في النظم.
4 -ومن البلاغيين الذين عالجوا مفهوم التلاؤم ومعناه أمام البلاغة عبدالقاهر الجرجاني (( ت 471 هـ ) )الذي يهيم بكلمة النظم ويؤثرها على كل اصطلاح وإن كان التلاؤم أبرز ما درسه في فكرة النظم ويكفينا شاهدا على مفهوم يتلاؤم وإن من معانيه النظم عند عبدالقاهر، ذلك الأسلوب التحليلي للآية الكريمة التي هي قول الله تعالى: (( {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44) } ))وقد صدقت الإشارة إلى الآية الكريمة أثناء البحث عن النظم وأنه وجه من وجوده الإعجاز الذي يعنينا في هذا المقام وهو الطريقة التحليلية للآية الكريمة كما شرحها عبدالقاهر حيث يرى أن مما يذخر به نظم الآية هنا حسن مجاورة الألفاظ وجعل بعضها بسبب من بعض حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وأنه لا علاقة للفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق ولكن مرد ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب"وهذا ظاهر في كل كلام تلاءمت ألفاظه وتراكيبه ومعانيه، ودليل آخر على ما ذهب إليه عبدالقاهر في الأخذ بالنظم في معنى التلاؤم هو قوله: (( ولكن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما تعلق له بصريح اللفظ ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر [1] وإذا لابد من مراعاة وضع اللفظة بجانب أختها حتى يتم التلاؤم بين أجزاء الكلام كله."
ويشير الروماني في (( النكت ) )إلى معنى التلاؤم بأنه نقيض التنافر وأنه تعديل الحروف في التأليف، وفائدته حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن السورة، وطريق الدلالة )) [2] .
والتلاؤم في حقيقة معناه، وطبيعة مداه، (( كلمة جامعة لكل وصف لا بد منه في اللفظ ليكون الكلام خفيفًا على اللسان، مقبولًا في الأذن، موافقًا لحركات النفس، مطابقًا لطبيعة الفكرة، أو الصورة، أو العاطفة التي يعبر عنها الأديب ) ) [3] .
إذا كان من مفهوم التلاؤم: المناسبة بين الألفاظ، والمشاكلة بينها ومن معانيه الاتفاق، والاتساع، كما مر ذكره عند أصحاب اللغة، وعلماء البلاغة، والأدب فلنبدأ الحديث عن مظاهر التلاؤم بين اللفظ
(1) انظر البيان العربي للدكتور بدوي طبانة ص 226, 227 ط الرابعة المطبعة الفنية الحديثة 1388 هـ.
(2) انظر النكت في إعجاز القرآن للرماني ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 876, 88 تحقيق محمد خلف الله والدكتور محمد زغلول سلام.
(3) انظر دفاع عن البلاغة لأحمد حسن الزيات ص 122 الطبعة الثانية مطبعة الاستقلال بالقاهرة.