الصفحة 69 من 156

وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) لفظ هذه الفاصلة مرفوع، قوبل بفاصلة لفظها مجرور، من قوله: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) } .

ومما يسترعي النظر أنه لم يرد في أصوات فواصل السورة من الحروف الشفوية سوي (( الباء ) )ذلك الحرف الذي تكرر في خمس عشرة آية.

والباء من الحروف التي يسبق نطقها في المخرج، بل لشدة سهولتها نسمع الطفل الصغير ينطقها في يسر أول عهده بالكلام.

وإذا تتبعنا بقية الحروف في فواصل هذه السورة، ألفيناها جميعها من الحروف اللسانية، وهي: النون، واللام، والراء، والقاف، والدال. وهي حروف متوسطة من حيث سهولة المخرج على لسان المتكلم.

أما الحروف الحلقية، وحروف أللهاء، وهي أعسر الحروف، وأشقها في النطق، وهي: الهمزة، والهاء، والعين، والغين،،والحاء، والخاء. فقد خلت فواصل تلك السورة الكريمة منها، عدا حرف العين الذي ذكر في فاصلة واحدة فقط، ولم يكرر في الفاصلة التي تليها، أو في آية فاصلة غيرها، على أن هذه الفواصل وإن اتحدت في حرف الروي لا يستطيع القارئ أو السامع أن يلحظ أي تكلف في إيراد تلك الفواصل على هذا النحو، فإن المعنى في كل آية يقتضي فاصلة أشد اقتضاء حتى لقد نجد بعض الفواصل المسجوعة وقد اتحدت الكلمة كلها بجميع حروفها ومعانيها في القرينتين أو في ختام الآيتين المتتابعتين وذلك راجع لشدة اقتضاء المعنى فأنت ترى مثلًا في قوله تعالى: (( لكل أجل كتاب ) )وقوله: (( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) )إن لفظة كتاب تكررت في آيتين متواليتين وذلك لاقتضاء المعنى، فالكتاب في الأولى يقصد به معنى لكل وقت حكم يكتب على العباد أي يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم )) والكتاب في الثانية معناه (( أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه [1] ) ومن أبرز خصائص حروف الفاصلة في السورة تناسب الحروف في مخارجها وانسجامها مع المد الناشئ في آخر كل آية الذي ينشأ عنه التأثير الروحي في جو السورة العام من خلال النغم الممتد عبر كل مقطع، وفي هذا ما يحدث في النفس نوعًا من الاطمئنان والراحة النفسية، وبنظرة شاملة إلى مقاطع الفاصلة في السورة كلها يحس المتأمل بعد التفاوت في مخارج الحروف وكل حرف جاء ملائمًا لما بعده في السياق من حيث الرصيف والبناء.

ومن حيث التناسق الصوتي في الشدة واللين والتفخيم والترقيق. خذ مثلا قوله تعالى: (( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) )وتأمل مخارج الحروف في لفظة يؤمنون كيف نشكل الحرف إيحاء صوتيًا عذبًا. لا يمل ترداده إذ جاءت المخارج متناسبة في القرب والبعد فالياء من أسفل الفكين والهمزة من أقصى الحلق

(1) انظر تفسير الكاشف الزمخشري طبعة دار الفكر بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت