بعض العلماء: أراد أن يفرق بين القرآن وغيره. فاحتفظ بكلمة السجع لغير القرآن، وخص ما يكون منه في القرآن باسم الفواصل.
والحقيقة أنه لا يروقنا هذا التفريق في المصطلح إذا اتحد المفهوم فإن حجة الذين فرقوا في التسمية، فخصوا ما في القرآن باسم الفواصل، وما في غيره باسم السجع. حجة واهية وهي قولهم.
(( إن السجع موصوف بالتكلف لأنه من صنع البشر ) ).
وحاشا أن يكون شيء من هذا التكليف في كتاب الله عز وجل، ولا نري رأيهم، لأن المفهوم إذا اتحد وجب أن يتحد المصطلح. أما قولهم: إن السجع فيه تكليف، فإن كثيرًا من السجع لا نرى فيه أثرًا لهذا العيب، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من الكلام المسجوع الجميل الرائق، وحاشا أن يكون رسول صلى الله عليه وسلم من المتكلفين. {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} وكذلك ورد في المأثور من كلام كثير من أهل اللسن والبيان من السجع ما هو رائق مطبوع، لا يلحظ فيه شيء من التكلف الذي يشير إليه هؤلاء العلماء، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك أثناء الحديث عما ذكره الجاحظ عن (( السجع ) )وليس معنى هذا أننا ننكر أن في السجع ما هو متكلف مصنوع ولكن ذلك يختلف من أديب إلى أديب، ومن خطيب إلى خطيب، ومن كاتب إلى كاتب، بحسب تمكن كل واحد من هؤلاء من فنه الأدبي، والذي كان ينبغي أن يقال: حتى لا يكون هذا التفريق المصطنع أن يلجأ أولئك الذين فصلوا بينهما إلى الموازنة بين سجع القرآن وسجع غيره من ضروب الكلام، ومن حقهم بعد ذلك أن يفاضلوا بين الضربين وأن يحكموا بعد الدراسة الواعية والتذوق السليم بجودة سجع القرآن وتفوقه على سجع البشر.
على أن من العلماء من ساوى بين الأسجاع والفواصل في المفهوم فأطلقوا لفظ الفاصلة على كل موضع فيه سجعة وأطلقوا لفظ السجع على ما قد يقال أنه فاصلة. وفهم صاحب القاموس الذي يقول: (( إن السجع هو الكلام المقفى أو موالاة الكلام على روي والجمع سجاع كالأسجوعة بالصم وجمعها أساجيع وكمنع نطلق بكلام له فواصل [1] .
وإذا تتبعنا حروف الروي في فواصل الآيات من سورة الرعد فإننا سنجد تنويعًا في الفواصل أي تنويعًا في حروف الروي التي تنتهي بها كل آية من آيات هذه السورة. وإذا ألقينا نظرة على هذه الحروف وجدناها على الترتيب التالي من حيث الكم.
حرف النون في الآيات الخمس الأول من السورة فقد انتهت كل آية بهذا الحرف كما في قوله تعالى: (( يؤمنون، توقنون، يتفكرون، يعقلون، خالدون ) )حرف الباء في خمس عشرة آية تنتهي بقوله
(1) انظر القاموس المحيط 3803 للفيروز أبادي.