الأصوات المتشاكلة .. والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع، وتحسينها الكلام بالمتشاكل، وإبداؤها في الآي بالنظائر [1] ).
وتحدث عن السجع والفاصلة القرآنية: بدر الدين الزركشي (ت 794 هـ) في كتابه (( البرهان في علوم القرآن ) )وفصل القول في الفواصل، ورؤوس الآي، ونقل ما فرق به الإمام (( أبو عمر الداني ) )بين الفواصل ورؤوس الآي: من الفاصلة هي الكلام المنفصل مما بعده، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية فاصلة، وكذلك الفواصل. يكن رؤوس آي وغيرها، وكل رأس آية فاصلة، وليس كل فاصلة رأس آية، فالفاصلة تعم النوعين، وتجمع الضربين.
ويشير الزركشي إلى أن الفاصلة القرآنية تقع عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمي فواصل، لأنه ينفصل عندها الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينها بين ما بعدها، لم يسموها أسجاعًا، فأما مناسبة فواصل: فلقوله تعالى: (( كتاب فصلت آياته ) )، وأما تجنب الإسجاع: فلأن أصله من سجع الطير فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشيء فيه لفظ هو أصل في صوت طائر [2] ).
وكلمة السجع عند العلماء: مأخوذة من سجع الحمامة إذا رددت صوتها وعن سجع الحمام نقلوا هذه اللفظة إلى الكلام المنثور المقفى، إذا وإلى المتكلم الكلام على روي، أي أن السجع في الكلام المنثور مثل الروي، وعرف بعضهم بأنه: (( تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر. أو هو نفس الفاصلة الموافقة الآخر، والسجع في أصله هو هدير الحمام. ثم نقل لهذا المعنى فلا يصرح بوجوده في القرآن، لا لعدم وجوده في نفس الأمر بل لرعاية الأدب ولتعظيم القرآن، وتنزيهه عن التصريح بما أصله في الحمام، ولكونه من نغمات الكهنة في كثيرة أصل إطلاقه، ولا يقال في قرائن القرآن الكريم أسجاع بل فواصل [3] ) ، ويصرح الباقلاني (ت 403 هـ) بنفي السجع من القرآن الكريم، ويسميه فواصل.
إذ يقول:
(( كيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة في نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات. وليس كذلك الشعر، وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعًا - متقارب الفواصل متداني المقاطع، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، في السجع غير مرضي. ولا محمود [4] ) من خلال ما مر ذكره نري أن
(1) النكت في إعجاز القرآن الرماني ص 89, 90, 91 ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن الرماني والخطابي وعبدالقاهر تحقيق محمد خلف الله والدكتور محمد زغلول سلام الطبعة الأولى مطبعة دار المعارف بمصر.
(2) انظر البرهان للزركشي الجزء الأول ص 53, 54 تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم.
(3) شرح التلخيص لسعد الدين التغتازاني الجزء الرابع ص 445 وما بعدها. مطبعة الحلبي.
(4) إعجاز القرآن للباقلاني ص 58, 59 الطبعة الثالثة 1972 م. مطبعة دار المعارف تحقيق أحمد صقر.