ولما كان الأمر المخوف يجوز وقوعه من أول برقة واحدة أتى ذكر الخوف في الآية مقدمًا لكون الواحد أول العدد، ولما كان الأمر المطمع من البرق إنما يقع بعد عدد من الإبراق أتى ذكر الطمع ثانيًا لكونه لا يقع إلا في أثناء العدد، وليكون الطمع ناسخًا للخوف. كمجيء الرخاء بعد الشدة، والفرج بعد الكربة والمسرة بعد الحزن، فيكون ذلك أحلى موقعًا في القلوب، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} . [1] * [2]
وقد حصل في هاتين اللفظتين اللتين هما بعض من الآية مع صحة التقسيم حسن الترتيب والتهذيب، ومن تمام المعنى وحسن النظم ختام الآية بقوله: (( ينشئ السحاب الثقال ) )، فقد جاءت هذه الخاتمة بعد قوله: (( وطمعًا ) )فمن ذا الذي لا يطمع فيما تحمله السحاب من خير، وفي وصف السحاب (( الثقال ) )ما يضفي على المشهد روعة وجلالا وقوة تشهد أنه من صنع الله.
ثم عطفت الآية الثانية بالواو من قوله: ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. فهنا مشهد آخر ذو حركة مليئة بالخوف متمثلة في زمجرة الرعد وقصف الصواعق المدبرة بمشيئة الله، والإطار المتضمن لتلك المعاني متحرك أيضًا يلحظ في الأفعال المضارعة، يسبح، يرسل، يصيب، يشاء، يجادلون، وراع العطف بالواو الذي وليه عطف بالفاء في قوله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} ففي ذلك الدلالة على نفاذ أمر الله وسرعته من غير ما تباطؤ أو مانع يحول.
وبعد أن قررت هذه الآية أمورًا كلها من عند الله، وأزمتها طوع إرادته من خير أو شر يصيب به العباد أو يصرفه عنهم، جاء قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} .
وهنا ينضح الترابط المحكم بين الآيات. فقوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} حتى آخر الآية تقرير بأنه ما من شيء سبق ذكره في الآية السابقة، إلا وهو مسير ومدبر بمشيئة الله وإرادته، وأن ما دونه من المخلوقات لا تملك من الأمر شيئًا. وإذن له دعوة الحق لا لغيره.
والآن - لتفحص بعض تراكيب هذه الآية، ولننظر في مدي تلاحم كل لفظة مع أختها، وقيام كل تركيب بوظيفته فيما يخدم المعنى ويوضحه.
انظر لأول لآية فقد صدر بالجار والمجرور مقدمًا على خبره وفي ذلك تخصيص بأن مصدر كل شيء من عند الله وإليه وله، فإذًا {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} ، وراع تلك الإضافة في قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} لأي غرض تلك؟ (( إنها من إضافة الموصوف إلى الصفة، فحاصل المعنى أن الذي يستحق أن يعبد هو الله
(1) * سورة الشورى الآية 28.
(2) انظر بديع القرآن لابن أبي الإصبع ص 65, 66 تحقيق حفني شرف الطبعة الثانية مطبعة نهضة مصر.