الصفحة 62 من 156

فليس بمنجاة من العذاب، وهذا ما جاء مرتبًا في السياق من قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} وقوله: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) } .

ومن بديع النظم في الآية أن وردت تراكيبها مصدرة بالجملة الاسمية في قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} .

مع بلاغة التقديم والتأخير هنا، وفي ذلك تمام التوكيد وقوته ثم التنويع في العبارة بمجيء الجملة الفعلية من قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} والفعل هنا مضارع، وصيغة المضارع تفيد معنى التجدد والحدوث، وهذا هو ما يتناسب مع عمل الملائكة الموكلين بالآدميين في جيئة وذهوب، وحدوث واستمرار، وفي تكرار الفظة قوم، وتنكيرها ما يوحي بملائمتها للفعل (( يغير ) )إذ سيق لمعنى الانتقام والعذاب، وفي تكرار لفظ الجلالة (( الله ) )ثلاثًا ما يعضد المعنى قوة ووضوحًا إذ البطش والعذاب قوة. والله لاغيره القوي القادر العزيز.

وأخيرًا تختم الآية بالجملة الاسمية في قوله: {فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) } . وفي ذلك تأكيد لتقوية المعنى كما تقتضيه الجملة الاسمية، وانظر لم خطفت الياء من لفظة (( وال ) )؟ فليس ذلك لمجرد تناسق الفاصلة، وإنما في ذلك تعبير عن إنزال العذاب، وسرعته، وعدم القدرة على رده والإفلات منه.

ولم تزل الآيات في تراكيبها متلاحمة متلاصقة إذ ترسم الآيتان الكريمتان من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} حتى قوله تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} . مشهدًا علويًا هائلًا يؤذن بالرعب والخوف الشديد.

تلك نقلة عجيبة في سياق الآيات بارعة في نقل الحس والشعور، فمن روائع النظم هنا ذكر البرق، والرعد، والسحاب الثقال، وبجانب تلك الظواهر تساق لفظتان هما {خَوْفًا وَطَمَعًا} إذ أن الظواهر السابق ذكرها من برق ورعد وسحاب تحدث في النفس البشرية أمرين هما الخوف والطمع ولا ثالث لهما، وهذا التعبير من براعة صحة الأقسام الذي هو عبارة عن استيفاء المتكلم جميع أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئًا، وكل ذلك أتت عليه الآية الكريمة فليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق، والطمع في الغيث. ومن بدائع النظم في الآية هنا تقديم الخوف على الطمع، وإذ أن الصواعق يجوز وقوعها من أول برقة، ولا يحصل المطر إلا بعد تواتر الإبراق، فيبقي عامل الخوف مسيطرًا على النفوس، أما إذا تواتر الإبراق ففي ذلك توقع لنزول المطر. ولذا كانت العرب تعد سبعين برقة ثم تنتجع فلا تخطئ الغيث والكلأ، وإلى هذا أشار المتنبي بقوله:

وقد أرد المياه بغير هاد ... سوي عدي لها برق الغمام [1] *

(1) * انظر التبيان في شرح الديوان للعكربي ص 411 مطبعة بولاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت