نفي التشبيه اتباعا ًلمذهب أهل السنة والجماعة الذي يثبتون لله من الصفات ما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، من جهة أخرى فإن الله سبحانه الذي اختص بعلم الغيب أهون عليه علم الشهادة وإدراك ما يستطيع البشر إدراكه بحواسهم.
وقف عند قوله سبحانه: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) } وتأمل هذا النظم البديع إذا لم قرر السياق إثبات علم الله المحيط بالشاهد والغائب في الآية السابقة من قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} جاء قوله: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ} الآية. وفي ذلك تفصيل لمدي علم الله جلت قدرته - بكل شيء، ومن بديع هذا النظم تلك المقابلات الفنية العجيبة بين الألفاظ، ومن روائعه مقابلة مستخف بسارب تلك اللفظة التي بظلها تعطي عكس معناها، فظلها ظل خفاء أو قريب منه، ولكن الحركة فيها هي المقصودة في مقابل الاستخفاء [1] ) فتم التقابل العجيب الذي يدركه كل من له أدنى ذوق بفن القول.
وإن كانت المقابلة هنا غير حقيقية، بل تكاد تكون إيهامًا بالمقابلة، لأن المستخفي يقابله الظاهر الذي يكشف عن نفسه، أما السرب ففيه حركة خفية. ولذلك فهو قريب من الاستخفاء ففيه ما يمكن أن نسميه (( مشاكلة معنوية ) )أو إبهاما هذه المشاكلة. وقد فسر الطبري (( السارب ) )بالظاهر: أي الظاهر بالنهار في ضوئه [2] وهنا تتم المقابلة بين اللفظين.
ويمضي السياق مترابطًا إذ يقول سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} إلى قوله: {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) } في هذه الآية ترابط عجيب لحظه التأمل في جو الآية السابقة حيث ترتب عليهن ذكر الأسباب الداعية إلى حلول عذاب الله بكل من يحيد عن الحق بعد ظهوره تكبرًا وعنادًا. وعلى ذكر الأسباب تترتب النتائج في أسلوب هذه الآية، والتي من عجيب نظمها عرض الأمور التي ما أن راقبها الإنسان إلا كان بمنجاة من عذاب الله وبطشه، تلك الأمور متمثلة في قوله تعالى: (( له معقبات ) )وهذا على القول: بأن ألها في (( له ) )تعود إلى (( من ) )في قوله: (( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ) )... وعلى أن المراد (( بالمعقبات ) )الملائكية الحفظة (( وهو الذي عليه الجمهور [3] ) .
ويتبين بديع الرصيف والتأليف في ذكر الأسباب الداعية إلى حلول العذاب ثم في ذكر ما من شأنه الحيلولة دون عذاب بحكمه ومشيئته، وهو عمل الملائكة الموكلين بحفظ البشر ومراقبتهم فمتى اذكر هذا الشأن وروقت حصل الخلاص من عذاب الله بأمره وحكمته وإن لم يراقب الإنسان ربه في سره وجهره
(1) ظلال القرآن لسيد قطب (( تفسير سورة الرعد ) )الجزء الثالث عشر من المجلد الرابع طبعة دار الشروق ببيروت.
(2) تفسير الطبري الجزء الثالث عشر من المجلد السابع ص 75 الطبعة الثانية دار المعرفة بيروت.
(3) انظر تفسير الرازي الجزء 19 ص 18 الطبعة الأولى 1357 هـ الطبعة البهية بمصر.