الصفحة 60 من 156

التقسيم من حيث إحاطة علم الله بكل شيء، فهذه الآية كسابقتها حيث عمت المعنى ثم فصلته: في جملتين اسميتين كمالا لتأكيد المعنى وقوته، ومما يثير الإعجاب ويبعث على التأمل أن هذه الآية بجملتيها جاءت مركبة من خمسة ألفاظ كلها أسماء، وليس بين هذه الأسماء من وسائل الربط سوى حرف واحد هو (( واو ) )العطف، بل هناك البراعة في تلاحم الأجزاء في الجملة الأولى من خلال ما يسميه البلاغيون (( بالتهذيب ) )الذي هو فن من فنون البديع. وله أنواع منها: ما يكون بعد الفراغ من تأليف الكلام وهذا النوع قد عري منه القرآن لصدوره من عند الله سبحانه لا من عند البشر، إذ أن كلام البشر بحاجة إلى التنقيح والتهذيب، أما القرآن فليس بحاجة إلى هذه النظرة الآتية من هذا النوع لصوره عن من هو أعلم وأحكم.

ومن أنواع التهذيب: ما يعضد المعنى، وما تجتنب به العيوب اللاحقة لنظم الكلام. (( وهذان النوعان من التهذيب هما اللذان جاء نظم القرآن عليهما غير مقصود هذان النظم، ولا متكلف، لأنه كلام قادر مطلق القدرة وإنما الذي يتطلب النظر والتحرير هو كلام البشر لنقصهم ونقص أعمالهم، ومن هنا فقد استخدمت الآية الكريمة هذا الانتقال العجيب بواسطة أسلوب التهذيب غير المقصود المتكلف. وأربت على كل بلاغة، إذ أن التهذيب فيه معنى الانتقال من الأدنى إلى الأعلى الترتيب. ولكن الآية هنا جاء الانتقال فيها من الأبلغ وهو قوله تعالى: (( عالم الغيب ) )إلى ما هو دون في المرتبة وهو قوله والشهادة، وهذا ما يوحي به ظاهر الألفاظ، ولكن بالاستقراء والتدليل يظهر للمتأمل أن الآية اتبعت طريق الانتقال من الأدنى إلى الأعلى وفق طريقة فذة في النظم. وبيان ذلك ما كره (( ابن أبي الأصبع ) )في كتابه (( بديع القرآن ) )إذ يقول: (( أن علم الشهادة في حق الله سبحانه أبلغ، فإنا لا نعقل أن علم الشهادة بعلم إلا بواسطة الحواس، ومني فقدنا الحواس فقدنا علم الشهادة، علم الغيب لا يغتفر في تحصيله إلى الحواس، وقد ثبت البرهان القاطع تنزيه الحق سبحانه عن الحواس، وثبت أنه يعلم علم الشهادة، وحصول علم لا يعلمه إلا من له حواس أمن لم تكن له حواس أبلغ وأعجب، ومن حصول علم لا يعلمه إلا من له حواس لمن لم تكن له حواس أبلغ وأعجب، من حصول علم لا يفتقر في حصوله إلى الحواس، فثبت أن علم الشهادة هنا أبلغ [1] ) .

وفي ختام الآية هذان اللفظان الفريدان، اللذان هما قوله تعالى: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } وهذان اللفظان لا نملك إلا الوقوف أمامهما خاشعين، وقبل أن ننتقل إلى آية أخرى يجب أن نشير إلى ما ذكره ابن أبي الأصبع وهو يعرض لروعة النظم في قوله الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} إذ يقول: (( وحصول علم لا يعلمه إلا من له حواس لمن لم تكن له حواس أبلغ وأعجب ) )فقوله: (( لمن لم تكن له حواس ) )صريح في نفي صفة البصر عن الله سبحانه لكن هذا النفي لا يعني به أبن أبي الإصبع في نفي الصفة، وإنما يقصد

(1) انظر بديع القرآن لابن أبي الأصبع ص 159 تحقيق حفني شرف مطبعة نهضة مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت