الصفحة 59 من 156

الأول: في إيراد الله سبحانة مقاله الكفار. واستهزائهم برسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بين من إسناد الرب إلى الضمير العائد إلى الرسول في قوله: (( من ربه ) )أي كان رب له وحده. وليس ربًا لهم في زعمهم.

والثاني: في الرد عليهم من جملتين اثنتين هما: (( إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد ) ). وقد جاءتا مؤكدتين بالاسمية مع ما فيهما من قوة الحصر بإنما إحكام وتناسق عجيب.

وامعن النظر في قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} إلى قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } وتفحص أسرار هذا التراكيب في مدي تلاحمها، وترابط جملها.

لقد قررت الآية السابقة، والخاصة بمطالبة الكفار المعجزة من النبي صلى الله عليه وسلم أن علم الله محيط بكل شيء، ولذا صرفهم عما طلبوا لعلمهم أنهم لا ينتفعون بهذا الطلب ثم جاء السياق مفصلا علم الله الذي لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء.

ولم يزل الترابط والإحكام في نسق الآيات متواصلا إذ لما تحدثت الآية من قوله تعالى في أول السورة: (( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) )لما تحدثت عن مبدأ المعاد جاءت آية (( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ) )، لتقرر مبدأ الخلق والإيجاد مثبتة قدرة الله في الحالين.

والآن خذ الجملة من قوله: (( الله يعلم ) )، وتأمل سر تقديم لفظ الجلالة (( الله ) )على الفعل يعلم. إن في ذلك تمكينًا لقدرة الله وتمامًا لعلمه أفاده ما في العبارة من قصر وتخصيص استفيد من الجملة الاسمية.

والحظ هذه التقابلات العجيبة في صيغ هذه التراكيب المتفقة في الشكل فكلها من فعل واحد مضارع هو: يعلم، تحمل، تغيض، تزداد، وفي ذلك إشعار بالتجدد، واستمرار علم الله، وقدرته على الخلق، ثم هذا الختام للآية في قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) } فهو يقدر الأمور بحكمته، وعلمه، وإرادته.

لقد فصل في شق الآية الأولى ثم عمم في الشق الثاني سبحانه من لا تند عن علمه خاطرة فقد صورت الآية الكريمة علم الله بما في مكنونات الأرحام ثم عقب السياق بأن كل شيء (( عنده بمقدار ) )والتناسق واضح بين كلمة مقدار، وبين النقص والزيادة، والقضية كلها ذات علاقة بإعادة الخلق فيما سبق من حيث موضوع السورة كما أنها. أعني آية - ذات علاقة من حيث الشكل والصورة بما سيأتي بعدها من ذكر الماء الذي تسيل به الأودية (( بقدرها ) )في السيولة والتقدير ثم إنه في الغيض والزيادة تلك المقابلة المعهودة في جو السورة العام [1] ).

وبعد أن عممت الآية وخاتمتها علم الله بكل شيء زاد أو نقص مما يتعلق بمدد استقرار الأجنة في الأرحام. انتقل السياق في قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ} إلى ما هو أكبر وأعظم في

(1) انظر ظلال القرآن لسيد قطب الجزء الخامس ص 76 الطبعة الخامسة. طبعة بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت