الذي ينم عنه طلبهم تعجيل العذاب، وماض مصدر بقد تحقيقًا لوقوع العذاب إذ قد حل بمن قبل هؤلاء.
ثم تأتي النتائج المترقبة تحملها الجملتان المؤكدتان بالاسمية واللام وهنا مغفرة في جانب الحسنة، وعقاب في جانب السيئة. تقابل عجيب من جنس ما يعمله الناس، ومما يسترعي النظر ذلك الجار والمجرور في قوله تعالى: {لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} إن كان من منة فهذا أمن. بل شمول صفحة تغالي عن الناس، ومغفرته لمن شاء منهم أرحب وأعظم. بعد ذلك راع ختام الآية الكريمة إذ جاء بهذه النقلة السريعة في الفاصلة المبنية على حرف الباء وقبله حرف مد يد الصوت هو (( الألف ) )، بينما فاصلة الآيات السابقة جاءت منتهية بحرفي الواو والنون، وفي ذلك تنويع يتجدد معه نشاط السامع والقارئ.
واعلم أن هذه الآية (( قررت طعن الكفار في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبطلبهم استعجال العذاب، وتكذيبهم بمسألة الحشر والنشر فتوالي السياق مثبتًا طعن الكفار في نبوة صلى الله عليه وسلم بطلبهم المعجزة والبينة [1] ) على حد قوله تعالى: (( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكم قوم هاد ) )هنا يبرز الترابط المحكم بين تراكيب الجمل إذ تكشف عما أراد كفار مكة، واقترحوه على النبي صلى الله عليه وسلم، وتبين صرف الله لهم عما طلبوا مقررة وظيفة النبي الكريم في الهداية والإرشاد.
وقد قال العلماء في وجه نظم هذه الآية: (( أنه تعالى لما حكي عن الكفار أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا البينات الأخرى للاسترشاد وطلب البيان؟ أو لأجل التعنت والعناد، وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات، أو يزداد استكبارهم وإصرارهم.
لا جزم أنه سبق في علمه المحيط بكل شيء أن طلبهم هذا إنما هو لمجرد العناد المحض فمنعوا من تحقيق ما طلبوا [2] .
وفي الانتقال من أسلوب الخبر إلى الإنشاء في تراكيب الآية الكريمة ما يجدد نشاط السامع، ويعينه على فهم المعنى المراد، وأخيرًا تأمل تقييد طلب هؤلاء الكفار بقول الله عنهم: (( آية من ربه ) )كيف وليه الجواب مقيدًا. ومقصورًا (( بإنما ) )في قوله: (( إنما أنت منذر ) )ثم عطف على هذا الجواب قوله تعالى: (( ولكل قوم هاد ) )إن في ذلك من حسن الختام ما يفحم كل خصم. وأعجب من ذلك تناسق الآية في مجمل تراكيبها وجملها، تقاربها في مجموعها فهي من شقين:
(1) انظر تفسير الرازي الجزء 19 ص 12 الطبعة الأولى 1257 هـ المطبعة البهية بمصر.
(2) المرجع السابق ص 14, 15.