ومما نلحظه في تراكيب هذه الآيات مجملة تنوعها من جملة فعلية إلى اسمية مؤكدة وغير مؤكدة، إلى ما هو مصدر بالاستفهام وغيره، وكل ذلك أكسبها جدة وحيوية.
وخذ الآن قوله تعالى: (( وإن تعجب فعجب قولهم .. الآية ) )واستشعر ارتباطها بما قبلها، إنه تقرير (( لذكر مسألة المعاد، لأنه سبقه عرض هائل لذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج إليه أمر المبدأ [1] فجاءت هذه الآية بهذا الربط المحكم البديع على الرغم من طول النفس بينها وبين إخوتها. ولم يزل المعنى حيًا ينبض بالحركة المتواصلة، وثم اتل قول الله تعالى: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} إلى قوله: {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(5) } وتأمل ما اشتملت عليه من الجمل فقد ضم إطارها ست جمل. على الرغم من قصر هذا الإطار والأهم من ذلك صفات تلك الجمل وطريقة نظمها، إنها في عمومها جمل اسمية، مصدرة بالاستفهام في بعضها، وهذا الاستفهام إنكاري، ذلك لأن المعنى الذي تسوقه: هو إنكار الكافرين مسألة المعاد، ولما كان الإنكار منهم قويًا يؤكده عدم إيمانهم بما وضح لهم عن شأن. توالت التأكيدات بالجمل الاسمية حسمًا للموقف.
وتأمل ذلك الربط العجيب بواسطة حرف العطف، وما أحدثه من تناسق صوتي يملأ جرسه الفم، ويقرع الآذان. وراع ذلك التكرار بلفظة {أُولَئِكَ} الذي بواسطته أدت الجمل معناها وافيًا وقررت ما يستوجبه أمر هؤلاء المنكرين الذين غلت عقولهم أبوا إلا عمي البصيرة عن الحق. فالأغلال والنار جزاء لهم من جنس عملهم.
لقد تدرج وصف العذاب مما هو شديد إلى ما هو أشد إمعانًا في الكناية بهؤلاء المنكرين لإمعانهم في الكفر والضلال.
وانظر ختام الآية من قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وتأمل ما أحدثته بلاغة التقديم وتوسيط ضمير الفصل {هُمْ} بين الصدر والعجز ففي ذلك تأكيد العذاب بالخلود فيه، وليس لمنكري البعث فحسب، وإنما للجمع المدلول عليه بقوله وسط الآية: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} [2] .
وقد وافق توسيط الضمير في آخر الآية، توسيط لفظ الكافرين في صدرها فأي إحكام يبلغ مثل ذلك؟
ثم يمضي السياق في قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} إلى قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} وهنا أربع جمل: اثنتان منهن في صدر الآية ونوعهما فعليتان - الأولى فعلها مضارع - والثانية ماض مصدر بقد. واثنتان اسميتان جاءتا في عجز الآية. مقابلة ونسج بديع فمضارع يدلي على التجدد والاستمرار، لأن الآية تسوق معنى هو تمادي الكافرين في غيهم، واستمرارهم عليه بعدم الإيمان
(1) انظر تفسير الرازي الجزء 19 ص 8 الطبعة الأولى, المطبعة البهية بمصر 1357.
(2) انظر تفسير أبي السعود الجزء الثالث ص 201 مطبعة السعادة بمصر.