والحظ هذا التناسق العجيب في سياق الآيات، إذ لما انتهت من عرض القدرة الألهية في العلوم، أعقبت بعرض القدرة ومظاهرها في السفل. على حد قوله الحق تبارك وتعالى: (( وهو الذي مد الأرض .. إلى قوله إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) )والإطار الذي يكتنف. عرض هذه المعاني الشريفة السامية منوع بجمل اسمية وأخرى فعلية، مرة مؤكدة ومرة غير مؤكدة ومما يسترعي النظر في هذا السياق توالي ثلاث جمل مصدرة بفعل ماض من قوله تعالى: (( مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ) )، وقوله: (( وجعل فيها زوجين ) )وبعد هذه الأفعال تأتي جملة (( يغشي الليل النهار ) )ما سر افتتاح هذا التركيب بالفعل المضارع (( يغشي ) )؟ أليس مد الأرض، وبسطها وتثبيتها بالجبال الراسية، وبث الثمرات في جنباتها من الدلائل على عظمة الخالق، وقدرته؟ إنه لكذلك، ولكن فرط ألفه الناس لهذه المخلوقات، وبقاؤها صامتة جامدة قد يهون عليهم أمرها، دون تدبر واعتبار طويلين، أما آية الليل، وآية النهار فهما آيتان كبيرتان، في أحدهما طلب المعاش، وفي الأخرى طلب السكون فالكيفية البشرية فيهما متجددة نشيطة مستمرة.
ولذا جاء التعبير بالمضارع الدال على التجدد والحدوث. وأخيرا تأمل ختام الآية إذ جاء مؤكدا بأن واسمية الجملة، وانتهى بقوله: (( يتفكرون ) )دون يعقلون مثلا، لأن في هذه المخلوقات، وبديع صنعها، وتسخيرها ما يستوجب التفكر، والتأمل في ملكوت الكون، ثم سر مع الآية من قوله: (( وفي الأرض قطع متجاورات ) )إلى قوله: (( لقوم يعقلون ) )إنه نمط من القول رفيع، تتوالى تراكيبه في عرض الجزئيان الدقيقة للأرض، بعد رسم الخط العريض لخلقتها والغرض منها، فبعد أن قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} ثم بين فيها من منافع لعموم المخلوقات قال مفصلا: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ} وكذا وكذا. سبحان الله!! ما من تركيب أو جملة إلا وتأتي حاملة في ثناياها معنى أضخم وأعظم من إطارها فجملة (( وفي الأرض قطع متجاورات ) )أربعة ألفاظ فقط، لكن من ذا الذي يستطيع عد قطع الأرض، وحصرها وجمع صفاتها؟ إن هذا من بلاغة الإيجاز في أسلوب القرآن الكريم، وأعظم منه طريقة حرث هذه القطع، وما ينبت فيها وما يخرج منها وأعظم منها سقيها بماء واحد ثم اختلاف ما تنتجه. في اللون والطعم والحجم والرائحة ... ولسر ما جاءت جملة {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} مصدره بالفعل المضارع (( يسقي ) )دون أسقيناه. ففي الأول استمرار لتنوع الثمرات، واختلافها على الرغم من سقيها بماء واحد، وفي ذلك استمرار القدرة المهيمنة على كل شيء. وأخيرا تأمل ختام الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) } نعلم أن في خلق هذه المخلوقات ما يستثير العقول، ويدعوها إلى التدبر والتفكر، فليس الأمر مجرد حدث أو شعور، ولكنه قضية تخاطب العقل أولا، وتستلهب الشعور ثانيًا.