فهذه مثلا. جملة (( الله الذي رفع السماوات ) )تعقبها متراخية عنها جملة (( ثم استوى على العرش ) )وتأتي بعد ذلك جملة (( سخر الشمس والقمر ) )فالأولى اسمية تعطي معنى الثبوت والاستمرار، فلا أحد غير الله سبحانه. رفع السماوات وثبتها بغير عمد، فهي مستمرة على هذا العلو المتناهي الثابت الذي لا يزول، وثمة جملة أخرى تفيد معنى التجدد والحدوث وذلك مثلا في قوله تعالى: (( وسخر الشمس والقمر ) )فمن ذا الذي يذلل هذين الفلكين. ويسخرهما لمصالح البشر، وفق قاموس طبيعي متجدد فنهار يعقبه ليل، وليل يعقبه نهارن في حركة متكررة دائبة لا تفتر؟ لا أحد غير الخالق الكريم الذي أبدع خلقهما على هذا النحو العظيم. وتأمل بديع صلة قوله تعالى: (( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) )بالجملة التي تليها من قوله في مطلع الآية الثانية (( الله الذي رفع السماوات ) )ووجه الصلة بينهما: أن الأولى نعت الإيمان على كثير من الناس، لكن هذا الإيمان بمن؟ أنه الإيمان بالله الذي رفع السماوات بغير عمد. حقًا أنه تركيب تستلهم معناه القلوب وترعاه العيون. يأتي بعده السياق معنى أدق وأعظم يغيب عن مدارك البشر جميعًا، ذلك هو قول الله سبحانه: (( ثم استوى على العرش ) )ولأمر ما جاء العطف (( بثم ) )دون غيرها من حروف العطف!! إن هذا الحرف يعطي مهلة للتأمل لينظر أهو قادر على كتناه ذلك العلو المطلق، والاستواء الغيبي الذي لا تدركه الأبصار.
ويأتي بعد ذلك في السياق العطف بالواو، الذي لا يقتضي غير التشريك بين جملتين، وفي هذا إيماءه إلى مدى إحاطة علم الله، وقدرته. فكونه تعالى على خلقه بائن منهم فإن علمه وقدرته محيطة بكل شيء، ولذا جاء قوله تعالى: (( وسخر الشمس والقمر ) )بعد قوله: (( ثم استوى على العرش ) ).
وافطن إلى قوله تعالى: (( يدبر الأمر ويفصل الآيات ) )ما لهذه الجمل جاءت من غير عطف بثم أو الواو. أو حروف آخر من حروف العطف؟
إن الأمر ليس يخضع لتقنين البلاغيين ومصطلحاتهم، كقولهم: عطف على تلك الجملة لكمال الانقطاع، وترك العطف لشبه كمال الاتصال (( مثلا ) )وإنما الأمر أدق وأبدع من ذلك. ونلحظ براعة النظم في عملية التدبير، والتفصيل الذين لا يعجز الله شيء منهما. فاتصالهما مركبين في التعبير من غير عطف يتم عن اتصالهما الوثيق بعلم الله، وقدرته المسيطرة التي لا تنقطع ولا تنفصل بحال من الأحوال.
والحظ كيف ختمت الآية الأولى في السورة بقوله تعالى: (( لا يؤمنون ) )دون (( لا يتفكرون أو لا يعلمون مثلا ) )وختمت الآية الثانية (( بتوقنون ) )دون تصدقون ليس هذا الختام لتوافق الفاصلة القرآنية فحسب، وإنما لكون الآية الأولى ذكرت في سياقها معاني القدرة الإلهية من رفع السماوات والاستواء، تسخير الشمس والقمر وتلك الأمور تستدعي أن يكون الختام (( بتوقنون ) )دون تصدقون، فدرجة اليقين أعم وأكبر من التصديق واليقين بالشيء أصل التصديق به.