الصفحة 54 من 156

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } .

ويستمر عرض تلك المقاصد السامية منتهية بالجولة الأولى في الآفاق، والتعقيبات عليها حتى يبدأ السياق جولة جديدة في واد آخر، في الأنفس والمشاعر والأحياء من قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} .. إلى قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} نلحظ في مرامي تلك الأغراض والمقاصد: تقرير المبدأ وإبراز حالة تغيير الله ما بقوم. إلى السوء لأنهم كانوا السبب في ذلك (( فليس الله بظلام للعبيد ) )ثم يستمر العرض فيأخذ سياق تلك الآيات جولة جديدة أخرى في واد آخر موصول بذلك الوادي الذي تحدثت عنه الآيات الأولى في مطلع السورة، ذلك معرض تجتمع فيه مناظر الطبيعة، ومشاعر النفس الإنسانية متداخلة متناسقة في الصور والظل في مشهد تخيم عليه الرهبة والضراعة، والجهد والإشفاق، وتظل النفس فيه في ترقب وحذر، وفي تأثر وانفعال، نلحظ ذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} إلى قوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } [1] .

ولنبدأ الآن في تحليل نظم هذه المعاني، وتلك المقاصد والأغراض التي ضمها إطار الآيات من مطلع السورة إلى قول الله عز وجل {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } وبأدنى تأمل نلحظ أن أول ما يطالعنا في تراكيب هذه الآيات. تنوعها، وتفوتها من حيث الطول والقصر على حسب ما يقتضيه معنى هذه، أو تلك. لفقد ساقت الآية الأولى من السورة معنى (( الانتصار للقرآن الكريم، وأنه الحق الذي لا مرية فيه ) )، ولم يتطلب الموقف هنا سوى ثلاثة مقاطع من الآية هي قوله: (( تلك آيات الكتاب ) )وقوله: (( والذي أنزل إليك من ربك الحق ) )وقوله: (( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) )ولما بدأت الآيات في عرض القدرة الإلهية جيء بثمانية مقاطع هي قوله: (( الله الذي رفع السماوات ) )وقوله: (( بغير عمد ترونها ) )وقوله: (( ثم استوى على العرش ) )وقوله: (( وسخر الشمس والقمر ) )وقوله: (( كل يجري لأجل مسمي ) )وقوله: (( يدبر الأمر ) )وقوله: (( يفصل الآيات ) )وأخيرًا: (( لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) ). وهكذا حتى نستقرئ الآيات جميعا في هذه المجموعة بل ستجد ما هو أبدع، وأروع، وذلك فيما يظهر من تنوع التركيب في كل مقطع من مقاطع الآية الواحدة من جملة اسمية، إلى جملة فعلية.

(1) من تفسير سورة الرعد في الظلال لسيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت