الصفحة 53 من 156

وقبل أن نفصل القول في روعة نظم هذه الآيات، أري من الواجب أن نجمل الأغراض والمقاصد التي نرمي إليها.

وأول ذلك افتتاح السورة بما يلخص موضوعها كله، ويشير إلى جملة قضاياها فبعد الانتصار للقرآن الكريم، وأنه حق لا مرية فيه يبدأ سياق الآيات في استعراض آيات القدرة، وعجائب الكون. الدالة على قدرة الخالق، وحكمته وتدبيره الناطقة بأن من مقتضيات هذه الحكمة أن يكون هناك وحي لتبصير الناس، وأن يكون هناك بعث ونشور، وحساب وجزاء.

ويستمر السياق في تفصيل آيات القدرة، فتعرض السماوات مرفوعة بغير عمد، معروضة على الأنظار هائلة في شكلها وعلوها دون دعائم تقوم عليها، ومن هذا المنظور الهائل ينتقل السياق إلى ما هو أعظم هولا، إلى المغيب الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار، من قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وتضح لكل ذي عين وعقل مدي قدرة الله المحيط بكل شيء فمع الاستعلاء والتسخير تقترن الحكمة والتدبير. كل يجري لأجل مسمي إلى حدود مرسومة، وفق ناموس مقدر، ثم يهبط العرض التصويري الهائل من السماء إلى الأرض، فيرسم لوحتها العريضة الأولى، ويبدأ في تخطيطها وبسطها وانفساحها بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى. إذ يقول تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} الآيات، وثم يرمي السياق إلى ما هو أكبر وأسمى غاية، ذلك هو طلب الإيمان بخالق هذا الكون البديع، وما فيه، وهذا المقصد يأتي بطريق التعجب من أمر قوم يلزمهم الإيمان، لكنهم يأبون إلا الكفر تجبرًا وعنادًا.

{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ما لهؤلاء لا يؤمنون؟ فإن الذي خلق هذا الكون الضخم ودبره على هذا النحو قادر على إعادة الأناسي خلقًا جديدًا، لكن إنما هو الكفر المسيطر على العقول والأفهام {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } إن هذا الكفر لا يملك معه فرد من هؤلاء المعاندين إلا الوقوف أمام المبلغ الكريم (( صلوات الله وسلامه عليه ) )بطلب الخوارق والمعجزات، وتلك حجة من غلب على قلبه الكفر والضلال واستحوذ على عقله العناد فلج في كبريائه الساقطة.

ويعرض السياق في الآيات: وجوه الهداية وطرق الإرشاد لهؤلاء ولغيرهم، وأن عليهم النظر، والتأمل في أفاق الكون، وآيات الله المبثوثة في السماء والأرض، وأن عليهم التفكير والاتعاظ فلينظروا إلى مصارع الغابرين الذين استعجلوا عذاب الله فأصابهم، وتركهم مثله يعتبر بها من بعدهم {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} ، ويمضي سياق الآيات مقدمًا مغفرة الله على عقابه في مقابل تعجل هؤلاء الكافرين الغافلين، ليبدو الفارق الكبير بين الخير الذي يريده الله للناس والشر الذي يريده الناس لأنفسهم، ومن وراء هذا الشر يظهر انطماس البصيرة، وعمى القلب، والانتكاس الذي يستحق درك النار. وتلك الأغراض تجمعها الآيات الكريمات من قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت