التأليف، أو النظم. أو التركيب. أي أنهم جميعًا يلتقون مع عبدالقاهر، في اعتبار قوة التركيب، وحسنه، وتنسيقه وأنه صاحب الأثر الأوفى في تقدير الكلام. فإذا كان قدامة بن جعفر مثلا. قد وصف اللفظة المفرد مما أسلفنا من الأوصاف فإنه يولي النظم الذي يسميه (( بالائتلاف ) )عناية كبيرة، فيقرر أن اللفظة قد تحسن من حيث هي لفظة مفردة، فإذا نظر إليها مؤتلفة أي منظومة مع معناها، ومع وزنها، ومع ما تقتضيه قافية البيت في الشعر اكتسبت مزية أخرى، أو أصابها شيء من القبح.
ويطلق قدامة كلمة (( النعوت ) )على المحاسن التي يفيدها الكلام من هذا الائتلاف، ويجعل في مقابلها العيوب، وليس يسمح المجال في هذا المضمار ببسط تلك النعوت أو العيوب كما أوردها.
وكذلك ضياء الدين بن الأثير. الذي نراه بعد أن أفرد الألفاظ المفردة بالبحث عن أسباب حسنها أو أسرار قبحها يتكلم طويلا عن التركيب.
وإذا كنا قد أفردنا بالإشارة بعض الألفاظ المفردة في طائفة من آيات السور، وذكرنا شيئًا مما تمتاز به على غيرها من مرادفاتها. فليس يفوتنا أن ننتبه إلى أن السياق كان له أبعد الأثر في تخير هذه الألفاظ على النحو الذي أشرنا إليه، فهذه الألفاظ وحدها في غاية السمو كما فصلنا، وازدادت جمالا وجلالا بنظمها في التركيب الجمل الذي اقتضاها دون غيرها.
وليس ما يفتش عنه النقاد هو محصل ما يصل إليه الكاتب أو الشاعر في صناعته من الجودة وعدمها قوة وضعفا، لأن نظرتهم إلى القرآن الكريم في أسلوبه لا تختلف بحال من الأحوال فهو آية في السمو، والجودة، والإعجاز البياني، (( وإذا كان الكلام يتركب من ثلاثة حروف هي من الأصوات. وكلمات هي من الحروف، وجمل هن من الكلام فسر الإعجاز في نظم القرآن الكريم هذه الأنواع كلها بحيث خرجت من جميعها تلك الطريقة التي قامت به فألفاظه كيفما أدرتها، وكيفما تأملتها، وأين اعترضتها من مصادرها أو مواردها زمن أي جهة وافقتها فإنك لا تصيب لها في نفسك ما دون اللذة الحاضرة، والحلاوة البادية، والانسجام العذب ) ) (( وإذا صارت اللفظة مركبة فإن لتركيبها حكمًا غيرها مفردة وذاك لأنه يحدث من أثر التركيب فوائد من التأليفات والامتزاجات، حتى يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة ) )وإذا فأسرار بدائع التركيب كامنة في النظم فلنبحث عن هذه البدائع في النص الكريم من قوله تعالى: {المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ} الآيات حتى قوله: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } ولنتفحص الأسباب التي من أجلها قدم جزء، وأخر جزء، ولماذا حذف هنا وأثبت هناك؟ ولم جاء التعريف هنا وهناك التنكير؟ ولم استعمل الخبر في موضع الإنشاء، ولم عبر بالمجاز مرة وبالحقيقة أخرى، وكيف حسن هنا التشبيه، وراق في موضع الجناس، إلى غير ذلك من مباحث تتصل بشأن التركيب والمعنى في الجملة والجملتين )) .