الصفحة 31 من 156

وهو يهدف منها إلى الإقناع بإعجاز القرآن بنظمه وهل يقتنع منكر الإعجاز بأن نقول له أن الكلمة مبتدأ وتلك خبر عنها وهذا فعل وذاك فاعل له [1] .

ولا شك أن عبدالقاهر في كلامه هذا إنما يقصد كلام البشر الذين يتوخون مثل هذه المقاصد ويتعلمون لها ويؤلفون كلامهم على حذوها.

وليس كذلك القرآن الكريم الذي لا تعمل فيه لأنه تنزيل من رب العالمين ينتظم التراكيب ومعانيها من غير حاجة إلى ما يحتاج إليه البشر في نظم العبارة أو تأليفها.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام (( أن فكرة النظم عند عبدالقاهر ابتدأت بنظرة فلسفية في اللغة حيث تحدث عن دلالات اللفظ وحكمه في المواضعة، وتأثيره مفردًا ومركبًا، ثم انتهي إلى الذوق الشخصي الذي هو المرجع الأخير لكل باحث ودارس [2] ) وهذه الفكرة عنده ترتكز على دعائم ثلاث:

اللفظ، المعنى، الذوق.

(( وعنده أن دراسة النظم لا تقف عند أمر الصحة وعدمها بل تتعدي إلى الجودة. وبعبارة أخرى: يمزج عبدالقاهر النحو بما سماه البلاغيون فيما بعد علم المعاني ) ) [3] .

وقبل أن نتجاوز فكرة النظم عند عبدالقاهر إلى غيره، يجدر بنا أن نشير إلى أن هذه الفكرة لم يكن عبدالقاهر مخترعًا لها ومبتكرًا، ولكنه بسط القول فيها وألبسها ثوبًا قشيبًا، فقد سبقه إليها: أبو عبدالله محمد ابن زيد الوسطي (ت 307 هـ) الذي ألف كتابًا سماه: (( إعجاز القرآن في نظمه ) )وهذا الكتاب مفقود لا يذكر عنه الباحثون شيئًا سوى اسمه واسم صاحبه، إلا ما كان من (( الرافعي ) )في كتابه (( إعجاز القرآن ) )إذ يقول عن الكتاب الواسطي: (( ولأظن الواسطي بني إلا على ما ابتدأه الجاحظ. كما بني عبدالقاهر في (( دلائل الإعجاز ) )على الواسطي. والرافعي بهذا القول كالمطلع على الكتاب ذاته، ولست أدري على أي شيء اعتمد؟ وممن سبق عبدالقاهر إلى فكرة النظم: الجاحظ في كتابه المفقود (( إعجاز القرآن بالنظم ) )وكذلك أبو هلال العسكري في الصناعتين حيث عقد بابًا خاصًا بالنظم تحت عنوان (( الباب الرابع في البيان عن حسن النظم وجودة الرصف والسبك وخلاف ذلك ) ).

وممن سبق عبدالقاهر القاضي عبدالجبار صاحب المعنى، بل (( إن فكرة النظم قد ظهرت واضحة في الصراع الذي أثاره امتزاج الثقافات وتعصب حملة اليونانية لفلسفة اليونان ومنطقهم، ودفاع حملة العربية عن تراثهم الخالد ومنهم ثقافتهم النحوية.

(1) عبدالقاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية للدكتور أحمد أحمد بدوي ص 116 ص 117.

(2) انظر: في الميزان الجديد للدكتور محمد مندور ص 189.

(3) المصدر السابق ص 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت