الحذف والتكرار والإضمار والإظهار فيضع كلا من ذلك مكانه ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له )) هذا هو السبيل فلست بواجد شيئًا يرجع صوابه إن كان صوبًا وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم إلا هو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له فلا تر كلامًا قد وصف بصحة نظمه أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وكان مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، وإلا وجدت ذلك الوصف يدخل في أصل من أصول النحو ويتصل بباب من أبوابه.
ودرجات النظم التي لا تتعدي دائرة الصحة إلى دائرة الفضائل والمزايا مرجعها عند عبدالقاهر حسن التخير في دائرة الحدود التي حدها النحو إلى اهتداء الناظم إلى الأولى والأفضل وما يلائم المقام من معاني النحو.
وإذا حسن تخير معاني النحو في الكلام وتوخي الملائم منها للمقام اتحدت أجزاء الكلام ودخل بعضها في بعض واشتد ارتباط ثاني منها بأول ووضعت في نفس السامع وضعًا واحدًا لا تفرق فيه فكان حال القائل لمثل هذا الكلام حال الباني يضع بيمينه هنا في حال ما يضع بيساره هناك .. وليس لما من شأنه أن يجيء على هذا الوصف حد بحصره وقانون يحيط به )) [1] .
وهكذا يفصل عبدالقاهر في فكرة النظم على ما هو معروف في علم النحو من أن الكلام اسم وفعل وحرف وللتعليق بينها طرق معلومة، ويتوسع في مفهوم هذه الفكرة فيجعل (( الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من مقتضيات النظم وعنها يحدث وبها يكون لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو فلا يتصور فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألف مع غيره، ويرى أن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته من ذلك قول الله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} . فالمزية الجليلة في هذا لا ترجع إلى مجرد الاستعارة ولكنها ترجع إلى المجيء بالاستعارة على طريق ما يسند فيه الفعل إلى الشيء ... إلخ.
وإذا كان هناك من ملحوظة على عبدالقاهر في شرح فكرة النظم وجعلها بسبب وثيق من النحو (( فذلك أنه لم يقف عند معاني النحو يبين أسرارها ووجه جمالها في معظم ما عرض من الأمثلة، فإذا كان فيما جاء به من الأمثلة أن النظم هو توخي معاني النحو. فإنه لم يشرح معنى هذا التوخي ولا سر جماله، فهل كانت المسألة من الوضوح عند عبدالقاهر إلى درجة لا تحتاج منه إلى شرح وتبيين. كيف؟
(1) نظرية عبدالقاهر في النظم للدكتور درويش الجندي ص 57, 62, 70 مطبعة الرسالة.