الصفحة 28 من 156

قال: ومن الكلام المستوي النظم، الملتئم الرصيف قول بعض العرب:

أيا شجر الخابور مالك مورقًا؟ ... كأنك لم تجزع على ابن طريف

فتي لا يحب الزاد إلا من التقي ... ولا المال إلا من قنا وسيوف

والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور في سلاسته وسهولته واستوائه وقلة ضروراته، من ذلك قول بعض المحدثين:

وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقر الخلافة في دراها

كأنك مطلع في القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها [1]

وأمثلة أبي هلال كافية في إيضاح ما أورده عن معنى النظم الذي منه حسن السبك، وجودة الرصيف، والتئام أجزاء الكلام فإن ما ذكره من الأبيات لا تكاد تجد فيها ما يخرجها عن النظم الحسن التأليف.

وتجد معنى النظم عند ابن سنان الخفاجي (( ت 466 هـ ) )ضم الشيء إلى الشيء، وهذا يخالف ما ذكره أبو هلال عن معنى هذه المادة، إذ أن النظم بمعنى ضم الشيء إلى يدخل فيه كل كلام منظوم خاضع لقوانين الأسلوب العربي أو غير خاضع، كما سنلاحظ ذلك عند الحديث عن معنى النظم عند عبدالقاهر الجرجاني وتتبع قوله فيه.

والنظم عند عبدالقاهر: نظير النسج والصياغة والبناء والوشي والتحبير مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، ولذا يجيء النظم عنده بمعنى الترتيب وترتيب الألفاظ في العبارة على حذو ترتيب معانيها في الذهن، بل النظم في حقيقته عند عبدالقاهر ترتيب للمعاني في النفس، فلا بد أن يكون الهدف من هذا الترتيب صورة وصنعة إذا لا يكون ترتيب في شيء كما يقول عبدالقاهر - حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة، وهذا القول يقضي بنا تتبع فكرة النظم عند هذا العالم إذ هي محور بحوثه البلاغية والنقدية، فما معناها وما مفهومها عنده.

زيادة على ما مر ذكره عن معنى النظم عند عبدالقاهر نلحظ أن من معانيه أيضًا (( التعليق ) )إذ يقول: (( وليت شعري كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى ) ).

ومعنى القصد إلى معاني الكلم أن تعلم السامع شيئًا لا يعلمه، ومعلوم أنك أيها المتكلم لست تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها فلا تقول خرج زيد لتعلمه معنى خرج في اللغة ومعنى زيد كيف؟ ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أو فعل كلامًا. وكنت لو قلت (( خرج ) )ولم تأت

(1) انظر الصناعتين أبي هلال ص 167, 168, 171, 172 مطبعة الحلبي تحقيق علي البجاوي ومحمد أبي الفضل إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت