كقولهم: النظم الشعر الحسن، والنظم المنظوم وصف بالمصدر ونظام كل أمر ملاكه ومنه ليس لأمرهم نظام أي لا تستقيم طريقته.
وأهم تلك المعاني يدور حول معنى الاتساق والائتلاف. وما ذكر أولئك اللغويون يعيد إلى الأذهان ما ذكره قدامه بن جعفر في كتابه نقض الشعر (( عن الائتلاف بين اللفظ والمعنى وبين اللفظ والوزن وبين المعنى والقافية [1] ) وهذا يعيننا على رد تلك المعاني إلى المدلول الأصلي لمادة (( النظم ) )الذي يوحيه مفهومها وهو الاتساق والائتلاف والتناسب بين الأجزاء فإن نظم اللؤلؤ في الخيط يستوجب التناسب في أحكام الصنعة ليبدو العقد سليما في مظهره، وكذلك نظم الكلام يتطلب دقة الأحكام ووضع كل لفظة بجانب أختها صنيع ناظم اللؤلؤ وحائك الخيوط.
وإذا أردنا تتبع معنى هذه المادة عند الأدباء والبلاغيين وجدنا لهذه اللفظة معاني كثيرة بعضها يتحد مع المعنى الذي بينه اللغويون، وبعضها يرمي إلى معنى آخر.
فهي عند الجاحظ ترد مرادفه للتأليف، نلحظ ذلك المعنى في معرض حديثه عن القرآن إذ يقول: (( إن الرسول صلى الله عليه وسلم تحدى البلغاء والخطباء والشعراء بنظمه، وتأليفه ) ).
وعنده في بعض المقامات الأخرى ترد بمعنى (( البيان والإنشاء ) ) [2] .
وعقد أبو هلال العسكري في (( الصناعتين ) )بابًا سماه (( حسن النظم ) )بين فيه معنى النظم بأنه: (( التأليف والرصف والضم ) )، إذ يقول: (( وحسن الرصف أن توضع الألفاظ في موضعها، وتمكن في أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفًا لا يفسد الكلام ولا يعمي المعنى، وتضم كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها. وسوء الرصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها ومخالفة الاستعمال في نظمها.
ويستطرد أبو هلال في شرح معنى النظم، وأنه جودة الرصيف وحسن السبك بضرب الأمثلة قائلا:
فمن سوء النظم المعاظلة، وأصلها من قولهم: تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى، وعاظل الرجل المرأة كذلك. ومن المعاظلة قول الفرزدق:
تعالى فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقوله:
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره
وقوله:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
(1) انظر نقد الشعر لقدامة بن جعفر ص 24 مطبعة السعادة بالقاهرة. تحقيق كامل مصطفى.
(2) نظرية عبدالقاهر في النظم للدكتور درويش الجندي ص 23 مطبعة الرسالة.