السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيب.
ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضيين، ألا تراه لا تجمع الأرض أرضين ولا السمع أسماعًا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر، وأولي في الاستعمال [1] .
وتلك الخصائص للنظم القرآني ثابتة أصلية فيه، وليست وليدة تنقيح وتكلف وتهذيب لأن القرآن منزل من عند أحكم الحاكمين.
وتلك الخاصية في النظم نلحظها في التشبيه القرآني من سورة الرعد إذ يقول تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } .
فقد يقال: يمكن أن يتم التشبيه على نحو من قولنا: (( إلا كظمآن يريد الماء، وهو لا يستطيع الوصول إليه ) ).
ولكن الأمر هنا على خلاف ما ذكرته الآية من حسن الصياغة ودقة النظم فقد هذا قيد الظمآن بأنه يبسط كفيه إلى الماء عن قرب لعلها تصيب شيئًا منه، وهيهات ذلك، كما هو حال المشركين يدعون من دون الله وأنى يستجاب لهم.
ومن سمات النظم أن المعاني التي تضمنها القرآن الكريم في أصل وضع الشريعة، والأحكام، والاحتياجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع.
وذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأساب مؤسسة مستحدثة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور .... ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعاني، والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما الآخر فالبراعة أظهر، والفصاحة أثم [2] ، حتى يرتقي الإبداع في النظم إلى طريقة لا يستطيع حذاق الكلام مجاراتها بل لو ضمنوا كلامهم لفظة واحد من غرر الألفاظ القرآنية - وكل ألفاظ غرر - لتبين بريقها للناظر وأوغلت في البعد عن أساليبهم المعتادة.
(1) انظر البلاغة تطور وتاريخ للدكتور شوقي ضيف ص 50, 51 الطبعة الثانية مطبعة دار المعارف بمصر.
(2) انظر إعجاز القرآن للباقلاني ص 42 تحقيق أحمد صقر الطبعة الثالثة مطبعة دار المعارف بمصر.