ومثل هذا النهج لا يتحقق إلا في نظم القرآن الكريم. وهذا شاهد على تلك الخاصية. يقول جل ثناؤه في سورة البقرة: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .
لاحظ لفظة {حَرْثٌ} وما لها من مزية في نظم الآية الكريمة فإن لوجودها وربطها مع قرينتها، وتعيين موضعها من العبارة تأثيرا في الإيحاء الصوتي، والقيمة والأهمية في أداء المعنى البلاغي، وفخامته وعذوبته، بل لاختيارها على غيرها دلالة على كمال المعنى وتشخيص له.
(( إن هذه اللفظة جيء بها لتشبيه النساء بها دون الأرض مثلا أو الحقل أو الزرع، أو غير ذلك من مترادفات اللغة، ولعل في إيثارها على غيرها لما فيها من لطف الكناية في ذلك التشابه بين صلة الزرع بحرثه، وصلة الزوج بزوجته في هذا المجال الخاص، وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث، وذلك النبت الذي تخرجه الزوجة، وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح. بينما هذه اللطائف لاستفاد من كلمة (( الأرض أو الحقل ) )ونحوهما، فالأرض قد تكون جدباء سبخة لا تصلح للحراثة والزرع، وكذلك الحقل إذ لا يدل على عمل المالك فيه [1] ).
من أجل تلك المعاني واللطائف أثرت الآية لفظة (حرث) على غيرها من مترادفات اللغة التي تدل على المعنى لكنها لا تصل إلى براعة لفظ (حرث) في مدلولها الواسع وإيحائها وجمال وقعها في النفوس.
وأمثال تلك الفرائد في القرآن كثيرة خذ مثلا قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) } أليست كلمة {عَسْعَسَ} توحي بدنو الليل وتهاديه في آفاق الكون وتؤدي هذا المعنى أكثر من لفظة (( قرب أو دنا ) )وكذلك تنفس، أي إشراقة لرواء هذه اللفظة. بجانب ذكر الصبح، لكان الصباح مخلوق ذو رثة وروح ينفث في الآفاق بصيصًا من النور والإشعاع، تحسه وتعيشه وتتملاه في قريب وبعيد.
ولو أردنا استقصاء الأمثلة والشواهد على تلك الخاصية لأفضي بنا ذلك إلى الإطالة، ولكن كما قلنا: (( لا يستعذب التكرار في كلام كما يستعذب في كلام الله تعالى: فإليك مثال آخر على تلك الخاصية: يقول الحق سبحانه: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97) } .
أن لفظة {اسْتَطَاعُوا} توحي بحركة الانزلاق السريع كلما حاول القوم اعتلاء سد ذي القرنين وصعوده، ولفظة {اسْتَطَاعُوا} تعبر عن القوة التي يمارسها القوم لهدم هذا السد أو إحداث خلل فيه. فأي بلاغة وأي نظم تجاري مثل هذا التأليف والأسلوب.
ومما يميز القرآن الكريم (( خلو حروفه مما يخرج الكلمة عن حد الفصاحة فقد تجنب القرآن في تأليف ألفاظه، وتراكيبه - الحروف المستهجنة مما يجري في لغة الأنباط، والأعاجم، والأكراد لما فيها من
(1) انظر رسالة في إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم ص 119, 120.