يعرفه القوم من بين ما يعرفونه من نبت الصحراء، وتنفر منه نفوسهم، فإن النظم القرآني لا يقف عند حدود هذه المعرفة على ما فيها من قدر كبير عن بشاعة هذا الشجر المر، بل يضيف إليها عن طريق التصوير البياني ما يزيد النفس منها نفورًا، فاعتصار هذه الشجرة الخبيثة ومصلها المر: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) } أي كدر الزيت الأسود المغلي، أو كالمعدن المصهور المذاب يلقى به في البطون، فهي أوعيته، يا للهول!! وبالبشاعة المنظر، وقبل أن تفيق النفس من هول هذه الصورة، تثوب إلى رشدها تسلمها الآيات إلى صورة أخرى تدفع بها في طريق الخوف إلى مدى أبعد، فيأتي قوله تعالى: {يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) } .
إن الآيات هنا تصور مشهدًا مفزعًا مما سوف يحدث للكافر يوم القيامة، ولكننا مع بدائع هذا النظم المعجز، ومع ما اكتنف الآيات من سابق ولاحق نقف أمام أحداث تلك القوارع التي لم يزل يتفوه بها الزمن وتزول الفواصل بين ماض وحاضر ومستقبل، حتى ليخيل إلينا أن الآيات هنا تحكي أحداثًا وقعت بالفعل، ومضت عليها القرون، مع أنها في الواقع أمور مستقبلية صرف تحدث بعد أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد اخترقت بنا الآيات حجب الغيب البعيد، وطوت الآباد من الزمن طيًا لنضع بين أيدينا مشاهد متعددة الألوان، ترد بأسلوب الماضي وكأنها تحكي لتؤخذ منه العبرة، وهذه الطريقة التي انفرد بها النظم القرآني تؤكد الثقة في وقوع هذه الأحداث، فكأنها حديث بالفعل ولا مجال لشك فيها فقد أخبر عنها علام الغيوب [1] ).
وبين أيدينا في الآيات السابقة كثير من الألفاظ التي تستحق الوقوف طويلا للتأمل في طريقة نسجها وتأليفها، ونكتفي في الاستدلال على ذلك بواحدة منها، تلك لفظة (( اعتلوه ) )من قول الله تعالى: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) } إن لهذه الكلمة من التأثير ما ليس لغيره مما نفسرها به. إذ تحسد صورة جر الكافر إلى وسط النار بأقصى العنف والغلظة. وهذا من بديع نظم القرآن إذ تقرن في تأليفه كل لفظة لا تبغي حولا عن مكانها من حيث حسن النظم وقوة المعنى، (( وهذا ما تنبه إليه الجاحظ من حيث الدقة في مواقع الألفاظ في الذكر الحكيم، وكيف أن الكلمة المرادفة لأخرى لا يصح أن تستخدم مكانها، بل إن صيغة الكلمة ينبغي أن لا تتغير، وأن تظل على صررتها من الإفراد والجمع، وأيضًا فإن الكلمات كأفراد الأسرة أو على الأقل منها ما تقوم بينها واشجة الرحم.
وقد يستخف الناس ألفاظًا، وغيرها أحق. بذلك منها ألا ترى أن الله تبارك وتعالى: لم يذكر في القرآن (( الجوع ) )إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون
(1) انظر من بدائع النظم القرآني للدكتور السيد عبد الفتاح حجاب ص 14 وما بعدها مطبعة الجندي.