الصفحة 141 من 156

الناس موجودة في القرآن، وكل ذلك ما يتجاوز حدود كلام البشر المعتاد في الفصاحة، والبلاغة، والإبداع [1] .

فانظر مثلا إلى بديع التشبيهات، والتمثيلات، وما حققته من الأغراض في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) } فقد يتراءى للناظر في صورة هذا المثل (( أنه يكفي في التشبيه أن يقال مثلهم كمثل الحمار الذي لا يعقل، ولكن الصورة تزداد قوة والتصاقًا والتحامًا حتى يقرن بين هؤلاء وقد حملوا التوراة فلم ينتفعوا بما فيها وبين الحمار يحمل أسفار العلم، ولا يدري مما ضمته شيئًا، فتمام الصورتين يأتي من هذا القيد الذي نظمها، وتقيد حتى تصبح الصورة دقيقة واضحة ) ).

ولأجل أن يزداد الأمر وضوحًا هذه آيات قصار في إطارها يسوقها القرآن في شأن أبي جهل، وكل كافر،،ما يلقاه من عذاب يوم القيامة يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) } الآيات [2] .

لقد اشتمل إطار هذه الآيات على أكثر من تشبيه، في صورة هول العذاب الذي يلقاه الكافر في جهنم، تعجز كل وسائل التعبير الأخرى عن بلوغ مدى هذه الصورة في التأثير القوي الذي لا يقف عند جوانب الحس، وإنما يتعداها إلى كل أبعاد النفس البشرية، فيزلزل قوى الشر فيها، وتقوم كلمة في هذه الآيات بأداء دورها في تحقيق الغرض، وإبداع هذه الصورة القرآنية المعجزة مع تناسق تام والتئام عجيب.

صحيح قد ندرك جانبًا من هذه الأدوار لكل كلمة في الآيات، كذلك بمقدار ما نملك من وسائل نقد الكلمة، وحسن البصر بالأساليب، والذوق المثقف الذي به يمكن أن ندرك خفي الفرق بين التراكيب، ولكن على الرغم من ذلك تبقي جوانب من الإعجاز مستورة، ولآلي مكنونة يغوص من أجلها علماء جيل فيستخرجون منها على حسب ما تؤهلهم له قدراتهم المتفاوتة - بعضًا من بدائع النظم المحكم في القرآن الكريم.

الذي يهمنا في هذا المقام أن نقف على شيء من بدائع التشبيه الذي أوردته الآية في قوله تعالى: {كَالْمُهْلِ} ، {كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) } .

أن أول ما يدعو إلى التأمل رصف تلك الألفاظ في إطار التشبيه: {الزَّقُّومِ (43) } ، {الْأَثِيمِ (44) } ، {كَالْمُهْلِ} ، {يَغْلِي} {الْحَمِيمِ (46) } ، وإذا كان الزقوم من أخبث الشجر المر الذي

(1) انظر إعجاز القرآن للباقلاني الطبعة الثانية ص 42 تحقيق أحمد صقر الطبعة الثالثة مطبعة دار المعارف بمصر.

(2) سورة الدخان الآيات 43, 44, 45, 46, 47, 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت