الصفحة 140 من 156

والمتباين كالمتناسب والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف.

ولكتاب الله تعالى ميزة في حسن الرصف، وجودة التأليف. يدرك هذه الميزة كل من يملك أدنى ذوق يحتكم إليه في حسن الأسلوب وقوته، ووضوحه. وجماله. فإذا سمع أحد آيات الله تتلي في بيت من بيوت الله، أو في منتدى قوم، أو على قارعة طريق أحسن من أعماقه أن هذا الكلام الذي يسمعه ما هو إلا قرآن عظيم، وإذا فبديع تأليفه يميزه على غيره من كل كلام مسموعًا كان أو مكتوبًا، وشاهد تلك الخصوصية شهادة أعدائه الألداء من قريش. كما ورد في قصة الوليد بن المغيرة التي أفادت أنه لم يملك إلا أن يقول: (( إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وأنه ليعلو وما يعلى ) )ولا أرى داعيا ًلاستعراض مثل تلك المواقف التي حدثت بين ظهراني السادة من قريش، سواء ممن آمن، أو ممن أعرض.

ومن خواص نظم القرآن أن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديًا غامرًا سائر ما تقرن به كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.

وتكون غرة جمعه، والنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله واعتراضه في حسنه ومائه.

ومن أروع خصائص النظم القرآني أنه سهل سبيله فهو خارج عن الوحشي المنكر، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريبًا إلى الإفهام يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المعزي منه عبارته إلى النفس وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول غير المطمع مع قربه في نفسه ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أويظفر به [1] ).

(( ونظم القرآن لا يلتزم السجع فقد نجد سورًا قصيرة مسجوعة، وقد نجد صحفًا من السور الطوال كذلك، ولكن هذه الظاهرة لا تطرد فيه، فكثيرًا ما ينتقل من السجع إلى الكلام المرسل [2] ) .

ومما يمتاز به النظم والأسلوب في القرآن الكريم، أن الذي ينقسم عليه الخطاب من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح والتجاوز والتحقيق، ونح ذلك من الوجوه التي توجد في كلام

(1) انظر هذه الخصائص مفصلة في إعجاز القرآن للباقلاني الطبعة الثالثة ص 35 وما بعدها تحقيق أحمد صقر مطبعة دار المعارف بمصر.

(2) انظر بحث جديد عن القرآن الكريم لمحمد صبيح ص 104 الطبعة السادسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت