الصفحة 139 من 156

وتلك خاصية من أنواع الارتباط نلحظها في الآية الكريمة من سورة الرعد هي قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ} فقد يقال: أي ارتباط بين صلب الآية من قوله تعالى، وبين قوله تعالى بعده، {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} ؟.

ووجه العطف على التقديرين واضح، أما الأول فالمعنى أتترك عبادة من هو قائم على كل نفس، ولم يكف الترك حتى جعلوا له شركاء؟ وأما الثاني فالمعنى: إذا انتهت المساواة بينهما فكيف تجعلون لغير المساوي حكم المساوي؟ )) [1] .

والشواهد على تلك الخاصية كثيرة لم نأت على شيء منها سوى ما ذكرنا منعًا للاستطراد. والتكرار. ففي كتاب الله تعالى من عجائب أسرار النظم وبدائعه ما لا يحصي له عد.

وما مر ذكره من الخصائص ما هو الملامح جزئية يتسم بها النظم القرآني في سورة الرعد وغيرها، وهذه الملامح تنوح بها لفظة مفردة، أو جملة مركبة في ثنايا سور القرآن الكريم، أو حرف أوثر التعبير به على غيره.

وإن أردنا الإلمام بخصائص النظم القرآني على وجه العموم ألفينا خصائص للنظم عجيبة تجل عن الحصر. منها:

(( أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه - خارج عن المعهود من نظام كلام البشر، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد [2] ) .

وأن نظمه على كثرة سوره وطولها وقصرها قد تميز بتناسب في الفصاحة على ما وصفه الله به إذ يقول تعالى: {اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [3] وقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } [4] أما كلام الآدمي ن امتد وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال.

وهناك خاصية في النظم عجيبة يتميز بها أسلوب القرآن الكريم. وهي أن هذا الكتاب المبين، على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة، يجعل المختلف كالمؤتلف،

(1) البرهان للزركشي ص 42, 43, 46 تحقيق أبي الفضل إبراهيم مطبعة الحلبي.

(2) انظر الفصل الأول من هذه الدراسة.

(3) سورة الزمر آية 23.

(4) سورة النساء الآية 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت