ولقطع هذا التطلع، ولأن تطيب القلوب أمر الله سبحانه بأن يرزق هؤلاء من هذا المال على سبيل البر والسخاء، وكان التعبير الذي يؤدي هذا الغرض هو قوله: {فَارْزُقُوهُمْ} منه وهكذا يبرز لاختيار الحروف ما يبرز لاختيار الألفاظ من روعة في النظم والتأليف [1] .
وللترابط المحكم بين الآيات والجمل روعة في إحكام النظم، فإن ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ببعض أو لعدم تمام الأولى إلا بالثانية، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان.
وإما أن يظهر الارتباط، بل يسبق إلى الذهن أن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وأنها خلاف النوع المبدوء به، ومن هنا إما أن تكون الثانية معطوفة على الأولى وفائدة ذلك العطف (( جعلهما كالنظرين والشريكين [2] ) على نحو ما درسه علماء البلاغة وضربوا له الأمثلة الكثيرة.
لكن الذي يلفت النظر أن الجملة تكون معطوفة على ما قبلها فيشكل وجه الارتباط من ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} إلى أن يقول: {وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} .
فقد يقال: أي ارتباط بين الإسراء وبين، {وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} . ووجه الاتصال هنا: أن التقدير: أطلعنا محمدا ًصلى الله عليه وسلم على الغيب عيانًا وأخبرناه بوقائع من سلف بيانًا لتقوم أخباره على معجزته برهانًا أي سبحان الذي أطلعك على بعض آياته لتقصها ذكرًا، وأخبرك بما جرى لموسى وقومه من الكرتين لتكون آيتهما قصة أخرى.
أو أنه أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه كما أسري بموسى من مصر حين خرج منها خائفًا يترقب ثم ذكر بعده: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) } ليتذكر بنو إسرائيل نعمة الله عليهم قديمًا حين نجاهم الله من الغرق، إذ لو لم ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا وأخبرهم أن نوحًا كان عبدًا شكورًا، وهم ذريته والولد سر أبيه فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم.
تأمل كيف أثنى الله على نوح، وكيف لاقت صفته بالفاصلة، وثم النظم بها مع خروجها مخرج المرور عن الكلام الأول إلى ذكره ومدحه بشكره. وأعجب لهذه التدرج العجيب في الموعظة العظيمة من قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} ، ولم ينقطع بذلك نظام الجمل إلى أن خرج السياق إلى قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} .
(1) انظر رسالة في إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم ص 125, 126.
(2) البرهان للزركشي ص 42 وما بعدها تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم مطبعة الحلبي.