{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) } وخاصية التكرار نلحظها في ثنايا الرعد من قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} ، {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} ، {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} ، {الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ} الآية.
ولتخير الحروف على غيرها - فضلا عن تخير الألفاظ - مزية في النظم عجيبة، من ذلك تخير حرف الجر (( في ) )على غيره في سورة النساء، وتخير حرف الجر (( من ) )على غيره في نفس السورة، والموضوع متشابه.
فالأول قول الله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} .
والثاني قول الله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} .
وسر الاختيار الدال على بديع النظم (( أن كلا من هذين الحرفين قد دل دلالة تخالف ما يدل عليه الآخر ففي الآية الأولى المال لليتامى الذين لم يبلغوا الحلم، وإنما أضيف إلى المخاطبين في قوله: {أَمْوَالَكُمُ} ليلفت أنظارهم إلى العناية بهذا المال كما يعتني الموصي بماله الخاص وهذا من دقة لفت النظر في الأسلوب القرآني - ولا يجوز دفع المال إلى اليتيم الذي لم يبلغ الرشد حتى يختبره الموصي بإسناد بعض الأموال التجارية إليه، وغيرها فإن ظهر له حسن تصرف في المال دفعه إليه دون تباطؤ، وهذا ما أشارت إليه الآية التالية: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} ) ) [1] .
ولكن أثناء الوصاية على المال، وقبل بلوغ النكاح من أين يأكل اليتيم؟ وما مصدر نفقاته؟ - هنا بيت القصيد - إذ يبرز للتأمل سر التعبير: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} ، ويستنبط العلماء من هذا التعبير أن الموصي، عليه أن يشغل هذا المال فيما يترجح ربحه، ونفعه، ويطعم ويكسو اليتيم من الربح لا من رأس المال، لأن ذلك يكون عرض للزوال الإتيان على الأصل، ولهذا السر اختير التعبير (( بفي ) )دون (( من ) ).
أما الآية الثانية فالمال لورثة الميت، وقد حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين، واستشرفت نفوسهم وتطلعت إلى هذا المال الذي كان بين ظهرانيهم وهم يعلمون أنه لا استحقاق لهم فيه بغرض مقدار.
(1) سورة النساء الآية 6.